رأي في حياتنا

أعراس الفدائيين

بدافعٍ من همّي الدائم بالموت، أتسلل دائماً، على “فيسبوك”، لصفحات من أسمع أنهم ماتوا، لأعاين بسرعة آخر أوقاتهم الحيَّة.
أحاول ان اتلمَّس آخر أنفاسهم الطازجة، آخر ضحكاتهم، آخر ما فكروا فيه، ما علَّقوا عليه، وآخر ما لفت انتباههم.
لديَّ دائماً هذه الرغبة اللحوحة في معرفة كيف تصرف شخص قبل أن يموت بساعات؛ وما الذي كان يشغله، وكيف يفكر هؤلاء الناس قبل أن يلفظوا آخر الأنفاس.
وحين أقع على تعليق أخير لواحد منهم، أروح أحسب بسرعة كم ساعة مضت على وفاته، حسب ما هو معلن، وكم ساعة كانت بين الوفاة وكتابة آخر تعليق له، وأفتش في كلمات التعليق عن ضحكة هنا او كلمة أمل أو يأس أو شتيمة، أي شيء .. أي شيء تركه الراحل قبل رحيله، وألمّها كأنّني مفتش شرطة !
ثم أنظر بسخرية مريرة الى أيقونة “ أضف كصديق”، وأخرج بهدوء. وإن كان الميت صديقاً بالأصل أسارع الى حذفه فوراً، حفاظاً على خصوصيته الآن.
وهكذا كنت هذا الأسبوع مشغولاً بتقليب وتفحص صفحات الشهداء، الذين قضوا في أحداث القدس الأخيرة، محاولاً قراءة طباعهم والتلصص على هويّاتهم النفسية والثقافية، لأعرف هل تتراكم الأفكار في داخل شاب لتقوده في النهاية الى الموت افتداء لفكرة عظيمة او مكانٍ عظيم، أم هي لحظة جسارةٍ نادرة تحدث في ساعتها.
حيث علينا أن نضع فارقاً مُهمّاً وكبيرا هنا بين مَن كانوا ينفذون عمليات استشهادية أو قتالية بناء على أوامر التنظيم، وبترتيب وتجهيز نفسي وقتالي ومعنوي منه، وتحت رقابته وعنايته المشدَّدة، وبين مَن يخطط وحده، ويختار سكين المطبخ وحده، ويصمد وحده تحت أثقال النفس وهي تتشبث بالحياة لكنه يجرّها سعيداً الى الموت!
المتتبع للشهداء الفلسطينيين، يلحظ دائماً، أن لا عملية كانت ابنة ساعتها، أو جاءت ارتجالاً أو ردة فعل على استفزاز سريع وعابر. بل هي وليدة تفكير طويل كان ينتاب هذا الشخص بدليل التحضير والتهيؤ لأمره، وهنا يخطر في بالك : هذا الشاب الذي ودع امه في الصباح بعد أن لبس أجمل ملابسه وتأنق ومازحها قائلاً أنه ذاهب إلى عرسه، هل نام في الليلة الماضية ؟!
هل ثمة كائن على هذه الأرض بهذه الصلابة ؟ أن ينام وهو مقبل على موتٍ اختياري بعد ساعات !
هل يمكن ان يصل الإنسان إلى درجةٍ من التركيز والهدوء والتوازن الداخلي الى هذا الحدّ ؟
هل امتلك من الهدوء ما جعله يقفل أزرار كميّ القميص، هل مسح حذاءه الذي سيرشقه الدم بعد قليل، هل افرغ جيوبه من كل شيء، هل نظر الى ملابسه وهاتفه وكتبه ومسح عليها بيده وهو يخرج ؟
بماذا كان يفكر في الليل وهو يعرف أنه في الليلة المقبلة سينام في قبر او في مشرحة الشرطة الإسرائيلية ؟ أية صلابة احتاجها وهو يرى وجهه كاملاً في المرآة لآخر مرة ؟ كيف هو شكلُ الحوار الذي دار بينه  وبين نفسه.. كيف انتصر على تلك الرغبة العارمة بأن يروح يرتمي في حضن أمّه ويعترف لها بكل شيء !
لكنَّ المفارقة أن صفحات هؤلاء الشباب تعجّ بالفكاهة والضحك والتفاعل الانساني الشابّ، وبإقبال لا يُصدَّق على الحياة، .. يشبهون اولادنا، ولهم نفس الطباع، ونفس الملابس والنزق، لهم نفس الحكايات المراهقة، ونفس الأسرار، .. هؤلاء الذين أحبوا الحياة حدَّ أن يدفعوا حياتهم ثمناً لها !

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock