ترجمات

أعمال خشب مع فرانسيس فوكوياما.. الفيلسوف السياسي يعرِض أدوات قوته

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

برينت كرين – (مجلة 1843) 26/110/2020
لدى فرانسيس فوكوياما شقّ في خزانته. وقد لاحظ للتو أن الشقّ يجري مثل الوريد خلال الجزء العلوي الجانبي من الخزانة التي تحتل مكان الصدارة في غرفة طعامه الأنيقة. وهو منزعج من هذه الآفة غير المتوقعة في ما يبدو، بخلاف ذلك، عملاً لا تشوبه شائبة، والذي استغرق منه عامين لإكماله. والقطعة الضخمة ذات اللون البني الضارب إلى الحمرة مصنوعة من خشب السرو المونتيري، نوع الأشجار السوسية نفسه التي يمكن رؤيتها من نافذة المطبخ خلف الفناء الخلفي المشذب بعناية في شبه جزيرة مونتيري في كاليفورنيا. “يجب أن أفعل شيئًا حيال ذلك”، يتمتم فوكوياما، ويمرِّر يده على طول الشق غير اللائق؛ وتقترح لهجته المشتتة أن عقله منشغل حقاً بالعثور على حل. ويقول: “يمكنني وضع وصلة فراشة هناك أو شيء ما يجعله يلتئم. لكنه في الواقع لن يؤثر على الأشياء”.
في العام 1992، أصبح فرانسيس فوكوياما -فرانك لأصدقائه- مشهوراً بسبب ظهوره الأول المثير في عمله “نهاية التاريخ والرجل الأخير”. وجادل في الكتاب بأن العالم شهد مع نهاية الحرب الباردة “استنفادًا تامًا للبدائل المنهجية القابلة للتطبيق لليبرالية الغربية”. وفي حين تصور كارل ماركس أن التاريخ يتجه بلا هوادة نحو الشيوعية، اعتقد فوكوياما أن نقطة النهاية المنطقية تكمن في الديمقراطية الليبرالية. ولكن، مثل شقّ يمر عبر قطعة أثاث كانت لتبدو بخلاف ذلك أصلية، بدت الأحداث منذ ذلك الحين وكأنها تقوض افتراضه الكبير.
رأى بعض النقاد الأوائل كتابه على أنه “انتصارية جينغوية” (1)، وهي شكل من أشكال الاستثنائية الأميركية المتنكرة في صورة نظرية عالية. وتستشهد التفنيدات الأخيرة لأطروحته ببساطة بالشؤون الحالية. في عصر الشعبوية الذي نعيش فيه، والانحدار الديمقراطي والهيمنة المتزايدة للصين الاستبدادية، هل يمكن لأي شخص أن يجادل بشكل مقنع بأن نقطة النهاية الأيديولوجية للإنسانية ثابتة؟ الآن، وقد أصبح بعمر 67 عامًا، ما تزال إجابة فوكوياما “نعم” حازمة -وإنما مهذبة. ويقول وهو يضبط أدوات نجارته: “لا أرى أي طريقة بديلة لتنظيم المجتمع أفضل من الديمقراطية الليبرالية”.
فوكوياما رجل قصير بأذنين كبيرتين وجبهة عريضة مائلة إلى البيضوي، والتي يتناقص اتساعها تدريجياً إلى ذقن مدبب مشدود. ولديه نظرة كسولة قليلاً، تكتسي عند توجيه سؤال إليه نوعًا من العبوس الحميد. وقد نشر الفيلسوف السياسي منذ “نهاية التاريخ” عشرة كتب حول مواضيع تتراوح من سياسات الهوية إلى الأخلاقيات الحيوية. كما أنه يدرّس في جامعة ستانفورد، وهو المؤسس المشارك لمجلة “الغاية الأميركية” American Purpose، وهي مجلة جديدة تسعى إلى الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية وتعزيزها وفهمها بشكل أفضل. وقد أدهشني أن لديه وقت لأعمال النجارة. ويقول بتفاخر: “معظم الأشياء التي أصنعها أنوي استخدامها. لا أعطيها، ولا أبيعها”. ومع ذلك، فإن وصف فوكوياما بأنه صانع خشب هاوٍ لا يكفي لوصف لروعة حرفته.
وهو يمارس هوايته عندما يقضي بعض الوقت في منزله الريفي في كارمل على جانب البحر، وهي مدينة صغيرة على الشاطئ حيث كل شيء صغير، بأكواخ ريفية كأنها قادمة من الحكايات الخرافية، تتجاور بحميمية وتنضم معًا على طول الشوارع المتلوية المنحدرة. ويقضي فوكوياما وزوجته لورا معظم وقتهما في “بالو ألتو”، موطن جامعة ستانفورد، مع كلبهما جينجر. أما النجارة فلفترة بعد الظهر في الريف، حيث خصص مرآباً صغيراً لأدواته ومنضدة للعمل.
وهو حريص على التباهي بورشته. ثمة العديد من الأدوات المتنوعة المدهشة التي تتمدد أسلاكها الكهربائية متعرجة بفوضى على الأرضية، في حين أن بعضها الآخر عتيق بطريقة تعكس ذائقة فوكوياما القديمة في تصميم الأثاث. وقد عرض لي أداته المفضلة، مسحاجاً (فأرة) صنع في الألزاس قبل الحرب الفرنسية البروسية قبل حوالي 150 عامًا. ويقول وهو يمسح بيده قاعه الأملس: “المدهش هو أنه ما يزال مستوياً تماماً”.
في عمله الأكاديمي، كان لفوكوياما معلمون بارزون -ألان بلوم، صمويل هنتنغتون، وبول وولفويتز- أما في الأعمال الخشبية، فقد علَّم نفسه بشكل كامل. وهو يجد أنه “من المُرضي أن تصنع شيئًا ملموسًا يمكنك استخدامه. ليس هذا شيئًا يمكنني قوله عن أنشطتي الأخرى؛ كتابة المقالات، والكتب، والأشياء من هذا القبيل”.
أصيب فوكوياما، وهو أميركي ياباني من الجيل الثالث، بهوس النجارة عندما كان يخدم في وزارة الخارجية في الثمانينيات في عهد رونالد ريغان. ويمكنك فقط أن تتخيل منظر الشاب اللامع، بعد سنوات قليلة من تخرجه من هارفارد، وهو يتجول في أروقة السلطة مرتديًا بدلة مقلمة، ويتحسس بتطفل قطع الأثاث العتيقة في جناح الوزير. ويقول: “كنت أرغب دائمًا في امتلاك بعض منها ولكنني لم أكن أستطيع تحمل تكاليفها، لذلك علَّمت نفسي بشكل أساسي أن أصنعها بمفردي”. وفي وقت لاحق، عندما كان يعيش في فيرجينيا، سقطت شجرة جوز في فناء منزله الخلفي: “وعندئذٍ قطعتها بمنشار كهربائي وقضيت ثلاث سنوات في تجفيف الخشب. ثم حولتها إلى زوج من طاولات بيمبروك. كان هذا أكثر مشاريعي طموحًا”.
تعلم فوكوياما النجارة بالطريقة نفسها التي تعلم بها نيتشه وهيجل وألكسندر كوجيف: من خلال القراءة. وأحد هذه الكتب، “صناعة الكراسي في وندسور” لتوماس موزر، يقبع في الاستوديو الخاص به اليوم، مغطى بنشارة الخشب فوق منضدة عمل صانع الخزائن الضخمة ذات الطراز الأوروبي، والتي صنعها بنفسه أيضاً. وفي الجوار يقف كرسي نصف مكتمل بظهر منحنٍ، الخامس من أصل ستة.
لنحت أعمدة ظهر الكرسي الرفيعة المبرومة، أنشأ فوكوياما “حصانًا للتقليم”، وهو “أداة قديمة جدًا” أخرى تشبه بطريقة غامضة أرجوحة خشبية. وبينما يجلس عليها منحنياً، يشير إلى أن فائدتها تنتهي بمجرد صنع العيدان. “ربما أرمي الشيء إلى الخارج بمجرد أن أنتهي من مشروع الكراسي هذا”، ويضحك، وهو يشبك أحد الأعمدة في المحور ويُجري شفرة طويلة حادة على طول قطعة الخشب، بينما تمطر كريات بيضاء من النشارة في حضنه.
كمفكر ذي ميول محافظة، غالبًا ما ذهب فوكوياما ضد التيار. وعلى الرغم من أنه ساعد على تأسيس حركة المحافظين الجدد، إلا أنه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي أغضب الجمهوريين بإدانته لكل من “الفشل غير المفهوم” لحرب العراق، والعسكرة المفرطة لإدارة بوش وأبطالها من المحافظين الجدد.
“كان ما شعرت به بقوة هو أن الأشخاص الذين كانوا يدافعون عن الحرب لم تكن لديهم أدنى فكرة عن مدى صعوبة تحويل العراق إلى أي شيء يشبه الديمقراطية، وأنهم لم يكونوا مستعدين لذلك”، كما يقول. (وصف تشارلز كراوثامر، وهو كاتب عمود من المحافظين الجدد، معارضة فوكوياما بأنها “غير متماسكة بشكل مذهل”). وقد أرسلته خيبة الأمل هذه إلى العمل على تحقيق استمر لسنوات في بناء الدولة، والتي “أدركت فيها أننا لم نفهم من أين تأتي المؤسسات الأساسية”.
هكذا بدأت رحلة فوكوياما الاستكشافية. حتى يحصل على وظيفة في البنك الدولي، أمضى أسابيع في السفر عبر بابوا غينيا الجديدة وتيمور الشرقية وجزر سليمان، وفي إجراء مقابلات مع بيروقراطيين حفاة في أكواخ من القش، على أمل معرفة سبب فشل قرون من المحاولات الغربية للتحديث. ووجد أن “الفكرة الأولى هي أن الأجانب لا يستطيعون فعل ذلك. تعتمد المؤسسات بشكل كبير على السياق، والناس الوحيدون الذين يعرفون السياق بشكل مناسب هم الناس الذين يعيشون في ذلك المجتمع”.
تركت ميلانيزيا (2) فوكوياما مع تقدير أكبر للقوة العنيدة للمراسي الثقافية العريقة. وتُرشد روح مماثلة أذواقه في النجارة، والتي تكمن بقوة في الماضي. والعديد من قطعه هي عبارة عن نسخ أميركية من التصميمات الإنجليزية في أواخر القرن الثامن عشر: طاولة بيمبروك ذات الأوراق المتدلية؛ صندوق هيبلوايت مصغر؛ طاولة نصف دائرية. وهي أعمال رشيقة، راقية، أرستقراطية، وثقافة عالية متجسدة في قطع فنية من الخشب الفاخر.
تلعب المثل القديمة دورًا كبيرًا في كتابات فوكوياما. وقد تمركز كل من عمله الأول و”الهوية”، أحدث كتاب له، على المفهوم السقراطي للثيموس، “ذلك الجانب في الإنسان الذي يبحث -عن قصد- عن النضال والتضحية؛ الذي يحاول إثبات أن الذات هي شيء أفضل وأسمى من حيوان خائف، محتاج، غريزي معرَّف جسديًا”، كما كتب. “لا يشعر كل الناس بهذه النزعة، ولكن بالنسبة لأولئك الذين يفعلون، لا يمكن إرضاء الثيموس بمعرفة أنهم متساوون فقط في القيمة مع جميع البشر الآخرين”. وعلى الرغم من أن فوكوياما ينظر إلى الديمقراطية الليبرالية على أنها حتمية، فإن نظرته إلى الطبيعة البشرية تقف في حالة توتر معها.
في ملحق عمله الأكثر شهرة، يتبنى فوكوياما مفهوم نيتشه لـ”الرجل الأخير”، المخلوق الذي “يظهر في نهاية التاريخ”. والرجل الأخير هو الإنسان الحديث، مهذّباً “بالمشروع الليبرالي لملء حياة المرء بالمكتسبات المادية والطموحات الآمنة والمضمونة”. وإذا كان صعود القومية اليمينية اليوم ينبع حقاً من مطالبة الجماهير بأكثر من مجرد الأمان والراحة المادية، فإن فوكوياما -المتحصن في الاستوديو الخاص به في سروال أسود وحذاء أسود وقميص أسود قصير الأكمام وساعة يد رقمية سوداء- يبدو مثل التجسيد المثالي لـ”الإنسان الأخير” -راضياً تمامًا بشرنقته الليبرالية الرأسمالية، عاكفاً على تنعيم قطعة من الخشب بسكينة في فترة الاستراحة بين مراجعات دي توكفيل.
إلى جانب الكتب، ينسب فوكوياما الفضل في تقدمه المبكر في النجارة إلى برنامج تلفزيوني عن كيفية عمل الأشياء يدعى “هذا البيت القديم”. وكان يشاهده بـ”خشوع العابِد” في تلك السنوات، بعد أيام طويلة من العمل في وزارة الخارجية. لكن ما أغاظ فوكوياما هو أن كل ما فعله المضيف كان دائمًا مثاليًا: “ليست هذه هي الطريقة التي يعمل بها أي شيء في العالم الحقيقي”، كما يقول. “إنك دائمًا ترتكب الأخطاء، وجزء من مهارة كونك عامل نجارة جيدا هو معرفة كيفية التدارُك عندما تقوم بحفر ثقب في المكان الخطأ أو الزاوية الخطأ”.
يعلم فوكوياما أنه قد يكون من الصعب إصلاح الأخطاء في الجسم السياسي. وهو يحتقر ترامب و”بعض المجرمين من اليمين”، وهو قلق بشأن الانتخابات الأميركية المقبلة. ويقول: “سيكون فوز ترامب، من وجهة نظري، كارثيًا للغاية على العديد من المستويات، ولا أحب حتى مجرد التفكير في الأمر”. (يقوم الرئيس الأميركي في الواقع بعمل صدع (فاصل منفرد) في “نهاية التاريخ” كنموذج لمفهوم الـ”ميغالوثيميا” megalothymia، وهي كلمة من نحته الخاص، تشير إلى الحاجة إلى الشعور بالتفوق الذاتي).
أدى انتخاب دونالد ترامب في العام 2016 إلى إضعاف ثقة فوكوياما في المشروع الأميركي. ويقول: “اعتقدت نوعًا ما أن الناخبين الأميركيين يمكن أن يرتكبوا أخطاءً على المدى القصير، لكنهم لن يرتكبوا خطأً كبيرًا أبدًا. وقد فعلوا”. وقد أصابه استسلام الحزب الجمهوري شبه الكامل بالتوتر: “إذا كان ذلك ممكنًا، فإنه سيكون ممكناً في الكثير من الأماكن الأخرى أيضًا”.
وعلى الرغم من أن فوكوياما يعترف بـ”الركود الديمقراطي” الذي يجد العالم نفسه فيه الآن، فإنه ما يزال متفائلًا بحذر بأن هذا مجرد مطب لتخفيف السرعة -ويحافظ على الثقة بالنفس على الرغم من التخويف المستمر الذي يمارسه عليه المتصيدون عبر الإنترنت. “هناك تيار مستمر من الناس الذين يسخرون من فكرة نهاية التاريخ والذين لا يعرفون حقًا ما تعنيه. ألقِ نظرة فقط على حسابي في إنستغرام: ‘أوه، هذه نهاية الأعمال الخشبية’”، ويتأوه (حسابه يعرض كراسيه أكثر مما يعرض أولاده).
يدور الكثير من أعمال فوكوياما الفكرية الأخيرة حول بناء الدولة والانحلال السياسي الذي حدث، إن لم يكن مراجعة لادعائه الشهير، فتوضيحًا له من نوع ما. “لم تكن لدي في الحقيقة نظرية عن كيف يمكن أن نعود إلى الوراء”، يعترف في استوديو نجارته، محاطًا بألواح الخشب نصف المقصوصة والأزاميل والمناشير اليدوية. “من الواضح أننا كنا نتراجع إلى الخلف”. في الطريق إلى نهاية التاريخ، يبدو أننا ربما نعاني من بعض الشقوق.

*نشرت هذه المقابلة تحت عنوان: Woodworking with Francis Fukuyama: The political philosopher demonstrates his power tools

هوامش المترجم:
(1) جينغوية (بالإنجليزية: Jingoism)‏ هي وطنية في شكل سياسة خارجية عدوانية. وهي الدعوة إلى اللجوء للتهديد أو القوة الفعلية بدلاً من العلاقات السلمية لحماية ما يُفهم على أنه مصالح قومية. يمكن اعتبارها تجسداً شديد التطرف من القومية. أصل الكلمة يعود إلى بريطانيا خلال فترة الحرب الروسية العثمانية. (ويكيبيديا)
(2) ميلانيزيا هي منطقة فرعية من أوقيانوسيا تمتد من جزيرة غينيا الجديدة في جنوب غرب المحيط الهادئ حتى تونغا شرقا. وتضم المنطقة أربع دول مستقلة هي فيجي، فانواتو، جزر سليمان، بابوا غينيا الجديدة، بالإضافة إلى المجموعة الفرنسية الخاصة في كاليدونيا الجديدة، وإندونيسا (غينيا الغربية)، وجزر مضيق توريس (أستراليا) وتقع معظم المنطقة في نصف الكرة الجنوبي، مع وجود عدد قليل من الجزر الشمالية الغربية الصغيرة لغرب غينيا الجديدة الواقعة في نصف الكرة الشمالي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock