أفكار ومواقفرأي في حياتنا

“أعمدةُ الفنِّ الأردنيّ تتهاوَى”!

رحلَ الفنانُ الكبيرُ نبيل المشيني عن عالمنا. لكنّ قامةً كبيرة مثله عصيةٌ على الغياب، فهو حفر عميقا في وجدان الأردنيين، بعد أن رافقهم لأكثر من أربعة عقود، أدخل خلالها الفرح لبيوت كل الأردنيين الذين عاشوا معه لحظاتٍ وتفاصيلَ حياتيةً لن تنمحي من الذاكرة.
أبو عواد غادر حارتنا الآمنة التي كانت مليئة بالحب والقيم الحقيقية والأخلاق والتسامح والاحترام، وترك لنا “حارةً” مظلمة قاتمة مليئة بالسواد والأوجاع والقهر.
كنّا نعتقد أنّ كل حارة بهذا الوطن بسيطةٌ وعفويةٌ مثل تلك التي عاش بها أبو عواد وأصحابُه الطيبون، لكن يبدو أنها لم تعدْ كذلك. كل شيء تغيّر، والغالبيةُ تعاندُ بكل ما فيها لجعل هذه الحياة ممكنةً.
أبو عواد كانَ محترفًا في رسم البسمة على شفاهنا لعقود، وخفّفَ عنا قسوةَ الحياة ونحن ننتظره كعائلةٍ واحدةٍ عند بدء بثّ الحلقة، ليُدخِلَنا حارتَه الجميلةَ ذاتَ النكهة الأردنية الأصيلة.
كان مرآتنا لزمن جميل بتنا نفتقده في أيامنا هذه، وأُلفة وبساطة نبحث عنها ولا نجدها. هو فنانٌ قديرٌ أدخلَ الفرح والفن الأصيل لبيوتنا، وتحدثَ عن الحياة وتحدياتها بلساننا، وعايش همومَنَا ومتاعبَنا بحسّه الكوميدي.
لكنّ المحزن أن أبو عواد يغيبُ اليوم، بينما المشهد مرشّح لأن يزداد سوءا وقتامة، فالرجل الذي أدخل الفرح إلى أرواحنا ودّعنا راحلا، وهو يعلم أن هناك من يقتل هذا الفرح في “حارة كل من إيده إله”.
في الماضي كنا نعتزّ ونفخر بفنانينا الذين كانوا خير سفراء للوطن في الخارج، أمّا اليوم فقد رضينا بأن نكرّم وجوها لا نعرفها، ويُراد لنا أن نفهمَ أنّها “قامات” عربية إعلامية وفنية، لا تحلو أعيادنا الوطنية إلا بهم، فنغرقُهم بالاهتمام والاستقبال الفاخر، والدروعِ الثمينةِ، والإقامة الراقية، ونتسارعُ لالتقاط الصور التذكاريّة معهم.
ربما نسينا أو تناسينا من أفنى عمره وهو يقدم لهذا الوطن فنّا راقيًا، وبتنا نستضيف أسماءَ نكرّمها باسم الوطن!
كيف فاتنا أن ثمة قاماتٍ فنيةٍ هي أوْلى بالتكريمات والدروع؟ فعلى أقل تقدير هذه القامات الوطنية تمتلك تاريخا ممتدا من الحضور والإنجاز، ويعرفها الشارع الأردني جيدا، ويتوق إلى الالتقاء بها.. إضافة إلى أنه كان سيفرح كثيرا لو أن جهةً ما لجأت إلى تكريمها.
أسئلة كثيرة لا نجد إجاباتٍ عليها للحال التي وصلنا إليها. ربما ونحن نودّع إنسانا سجل حضوره ومكانته وطبع محبته في القلوب، وترك إرثا حقيقيا للأجيال القادمة، وانحاز لهموم المواطن والقضايا المعيشية؛ لعلنا نتوقف قليلا لننظر إلى ما آلت إليه الأحوال.
من منّا ينسى فنانين أردنيين نحتوا بالصخر بفترات مهمة من تاريخ الأردن، وكانوا منارة تضيء شاشتنا الأردنية، ساءت أحوالهم المادية وتراجعت بسبب قلة الإنتاج، أو لأنه لم يعد لهم مكان. هؤلاء جلسوا في بيوتهم “منسيين”، منهم من لا يملك ثمن دواء يقيه تعب المرض. في الوقت ذاته، كانت هنالك عشرات الآلاف تصرف من أمانة عمان لجلب المُكرّمات والمكرمين، متجاهلين عمالقة بالفن والثقافة ممن قدموا الكثير لهذا الوطن، وكان جزاؤهم التهميشَ والنسيانَ.
هذه هي حارتنا يا أبا عواد،
ربما لم يكن أصدق من كلمة قالتها الفنانة القديرة جوليت عواد نَعَتْ فيها فراقَك: “أعمدةُ الفنِ الأردني.. تتهاوى”!. تماما.. كما تتهاوى و”تغرق” قيمٌ وأخلاقٌ من حولنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock