أفكار ومواقفرأي في حياتنا

أغاني الغجري على باب “الوطن”

ربما استطاع الغجريّ، وبمهارةٍ فائقة، التخلّص من “فكرة الوطن”!
أو ربما عاش الفكرة بشكلٍ أنضج؛ حين سَخّر الوطن لخدمته،.. وطن الغجري حيث نام سعيداً وأقام أغنياته!
فوطنه في الأغنية التي يحملها في بقجته وينصبها أينما داهمه الليل، وهو لا يتفهم فكرة أن يشتغل هو مُلحّناً عند الوطن!
تبدو الفكرة أكثر إقناعاً عند الغجري: الوطن من مَعدّات الحياة السعيدة، وليس هو الحياة بحدّ ذاتها!
والوطن حيث أرقص بملء روحي الحُرّة حتى لو في شارعٍ غريبٍ وضيّق ويتحدث لغة لا أفهمها،.. الوطن عند الغجري هو ما أنتظرُه من الحياة.
وطبيعة الأمور أن أنال مكافأتي لأنني مررتُ بهذه الأرض وآنستُ وحشتها؛ مثل أن تخضرّ الأرض في اليوم التالي لنصب خيمتي عليها!
..
يشعر المدنيّ في بيته الحجري الخانق بالغيرة من الغجر!
من الذي جَعل الوطن في رؤوسنا فكرةً مرهقةً الى هذا الحدّ؟!
ومن الذي سهر على تشكيل أول عصابةٍ في التاريخ ليغزو القبيلة المجاورة؟ ومن أوّل ميتٍ غريبٍ أقيمت عليه صلاة الغائب!

تثير غيرتي خيام الغجر على أطراف المدن؛ أقول لنفسي: هذا وطن سهلُ الحمل؛ أطويه في دقيقتين وأضعه على ظهري!
وطنٌ بلا أشجار حمضيات ولا بث تلفزيوني ولا رسوم مجاري وبلا قانون انتخابات.
دليل الغجري الى بيته خشخشة أساور النحاس!
فحيث يشعر بفرحةٍ مفاجئةٍ تنغز قلبه يقيم الغجري بيته، ويختار شمسَه، ويغنّي لطفلته، ولأساور زوجته وللأقراط الفاقعة اللون في أذنيها.
لا يقيم الغجري وزناً للأسماء المحضة: هذا بيتٌ، هذا حقلٌ، هذه شجرة، وهذا ليلٌ أو جابي كهرباء!
لا يجفل إن تأخرت الشمس ساعتين عن دوامها الرسمي، ولا يضيره أن عصفوراً تكاسل ذلك اليوم وظلّ صامتاً.. يأخذ الغجري الأمر ببساطة ويغنّي هو!
لا يحتفلُ بالدقّة المزعجة، ولا يُعلّق في خيمته ساعة حائط، ولا يتوقف كثيراً عند البروتوكول المُتّبع لنمو النباتات، فلا وقت لديه لينتظر الفصول وعلى نباتاته هي أن تنمو بسرعةٍ.. ما أمكنها!
على حقله أن يتبعه!
والغجري الحرّ لا يطيق الهدوء، فلا ينام إلا وسط موسيقا صاخبة، واصطفاق الريح ببعضها!
والغجري لا يطيق الرتابة فلا يمشي في الشارع الواحد مرّتين، والغجري أيضاً تخلّص منذ زمن من خديعةٍ اسمها “الحنين”!
الغجري يحنُّ دائماُ لما هو قادمٌ ولما سيحدث؛ ولا ينشغلُ كثيراً بتفقّد ما مضى!
..
تثير غيرتي بيوت الغجر؛ أقول لنفسي: الأوطان ككلّ الكائنات؛ قليلٌ منها الأليف الذي يمكن تربيته في البيوت!
..
وفي الأثناء كانوا يمرّون بأهل المدينة الحمقى وهم يدندنون شامتين:
خذوا البيوت إذاً، وسنكتفي بالغناء لها.
خذوا العطر والنميمة وأساور الذهب واتركوا لنا النساء.
خذوا المدينة، كلَّها، واتركوا لنا “الفُرجة” من بعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock