أفكار ومواقف

أغنية حب

 


لم أعترف قبل هذه المرة بحبي لها!


ربما لم يخطر ببالي من قبل أن هذه أمورا ينبغي التصريح بها!


أو في الحقيقة، ربما لأن علاقتي بها ظلت ملتبسة على الدوام، فهي ليست المكان الذي تسوقني إليه ذاكرة جميلة، وهي ليست المكان الذي يمكن لي أن أعيش ذكرياته دون أن أصاب بصداع الحزن غير اللذيذ.


لم أعترف قبل هذه المرة بحنين، من أي نوع، إلى سهولها وحواريها. ربما لأن سهوب الحزن في النفس أوسع من أن تضم بـ(لفة ذاكرة)، وربما لأن التذكار نوع من الخضوع الأبدي لعبودية مطلقة.. إذاً.. هي عبودية مطلقة.


..وكانت ثمة حياة.


***


“بركاتك يا شيخنا”… تتمتم أمي، وهي تعقد بأصابيع مرتعشة خيوط الحرير فوق مدخل القبة الخضراء الكبيرة..


كانت تلك المرة الأولى التي أدخل فيها القبة، فأشعر بالملائكة يتزاحمون من حولي، أنفاسهم تلفح وجهي..


“يا مولانا بارك هذا الولد”!


تعاود أمي التمتمة، وهي تضع يدها فوق رأسي، وتمسح شعري بكفها.


كانت عيناي تتجهان نحو الأعلى، تجوسان السقف البيضوي للمقام. ثمة سحر غير مرئي في مكان كهذا، إنه الحضور.. الحضور الذي لا يمكن تفسيره.


تبقى عيناي معلقتان على السقف البيضوي، فيما كانت هناك قوة تأمرني أن أستسلم للغموض اللذيذ…


….


أفيق على لسع الماء البارد ينسكب بقسوة فوق صدري ووجهي، وأياد كثيرة تهدهدني مطالبة إياي بالصحو، فأفتح عيني ببطء لتصطدما بالرؤوس المتدلية فوقي، وبأعين ذات نظرات لاسعة ومستفهمة.


يبتعد الجمهور من طريق الإمام الذي ظهر فجأة بمسبحته المتهدلة فوق صدره.. ينحني فوقي ويضع كفه فوق جبهتي، ويسألني:


– ما الذي جرى معك يا بني؟


تلح علي رغبة لذيذة بالبكاء، ولكنني أتماسك لأقول بصوت متهدج:


– لا شيء، لا شيء يا عمي.


يلح علي مرة أخرى، ولكنني أبقى على صمتي، وأحتفظ بسري الذي لا أعرفه.


ينتابه اليأس في انتزاع الحديث من فمي، فيضغط كفه فوق جبهتي ويبدأ بالقراءة والتمتمة غير المفهومة، وما أن ينهي حتى ينهض من جانبي وينتهر المتجمهرين:


– هذا مكان طاهر، لا يجوز التجمهر هكذا.


وقبل أن ينصرف الجميع، وفيما أنا متعلق بيد أمي، يهمس الإمام في أذنها:


– احرسيه جيدا، هذا غلام صالح..


ثم مع بعض التفكير:


– لقد أخذه الحال في حضرة مولانا..


تنظر أمي في عيني بإكبار وامتنان، تحضنني إلى صدرها بقوة، ثم نمضي معا باتجاه البيت.



[email protected]

تعليق واحد

  1. للحبِ سكراتٌ
    وكانت الحياة بالرغم من الداء الذي اصابني جراء حبها واستطعت ايها الكاتب الرائع ان ترسمها بمشهدٍ يكاد يحكي قصة كل عاشق يخفي اكثر مما يظهر ونحتاج اكثر من البركات لنستفيق ابدع استاذي باسلبك الراقي فلا تحرمنا منه

  2. مقدمة بسيطة وقوية لكل مقال
    سيدي موفق ملكاوي يا صاحب ذلك السر الدفين الذي لطالما حاولت ان تبقيه في صدرك ولم تبح به امام حضرة الامام صاحب المسبحة الطويلة التي تتدلى من على صدره الذي نعتك بانك غلام صالح ويجب الاعتناء بك اكثر ، دائما تبدأ مقالك بمقدمة جميلة جدا تلفت الانتباه تجبر القارئ رغم انشغالة في احيان كثيرة الى نفض يده من ذلك العمل العالق بين الاصابع ،وتصفح مقالك على مهل وحذر شديد لكي لا تهرب عبارة او جملة دون ان تلتصق في الذاكرة .. حقاكم انت جميل دائما يا ملكاوي .

  3. القبة والقماش الاخضر
    سيدي الاستاذ موفق !!!
    دخلت يوما ذلك المكان ، ابحث بين ثنايا حجارته عن "روح" تخرج ، لتزيل الامي ،ولتنصرني على "اعدائي" وليكون تحصيلي العلمي اكبر من ذلك المكان ، ولا شك البسوني القماشة الخضراء.
    بحثت عن النصر في لب الرطوبة الباردة التي تملا المكان .
    وبعد زمن وجدت ان القبة بحجارتها وارواحها وشيخها وكراماتها،ذهبت الى المجهول ، والحمد لله انها لم تاخذ معها احلامي التي كنت اعتقد انها ستتحقق بفضل "الشيخ"المطمور هناك
    .اشكرك على روح الابداع ،والذكريات بحلوها ومرها.

  4. هنيئا لمن اصابتها حروفك
    اجمل اغنية للحب سمعتها الى الان -هنيئا لمن اصابتها حروفك

  5. واخيرا اعترفت
    ينبغي التصريح بهذاالحب الجميل الذي يداعب قلوبنا جميعا..كم اود الاعتراف انا ايضا..اطنها ستكون سعيدة ..

  6. نوازع الاحتياج للبوح والحنين
    ايها الموفق ..من ذا الذي لا تتصارع داخلة نوازع الاحتياج للبوح والحنين ..محاولة الانطلاق بعيدا..
    احيانا نحتاج لان نفرغ سر احزان طويت قلوبنا عليها ..نبوح بانات موجعة تقتلنا دون ان يسمع انينها من يحيظوا بنا، نتكلم عن اوجاع خبيئةصدورنا..نروي خيباتنا المستترة ..
    لكن قد لا نجد من حولنا من يستطيع فهم نعمة البوح والحنين..وكأن الحديث عن مشاعرنا الكامنة وحزننا المستتر هو محض ضعف واستعذاب للحزن..
    فلا نستظيع ان نمارس نعمة البوح خوفا..وتطل احزاننا دفينة ..والانين يدوي بصمت مؤلم بدواخلنا..

  7. اعتراف بالحب واعتراف بالحنين
    ربما نحتاج منها مسحةالحزن وهمسة الامل واعتراف بالحب والحنين..بحرا من الكتابة المفعمة باللغة الشاعرية اكثر مما يسوداوراق بياضنا الناصع ..ولعل المتامل في ثنايا هذه الكلمات ..يحسبمعنى الحب والحنين الكبير بداخلك ..كم نحن بحاجة الى هذا الحب ..

  8. همسة حب
    ايها الموفق ..نحن لم ندمن الحزن الا لاننا تعودناعل الخفاء..لم يميتنا الحنين والانين صمتا الا لتعودنا عليه همس حبيس بالقلوب..لم نعترف بالحب الا لتعودناعلى عدم التصريح بها..
    من ذا الذي يدري ان اقرب الاعزاء لقلبة يموت بجانبه صمتا دون ان يعي انه بحاجة للبوح والاعتراف بالحب والحنين !!!!

  9. اغنية حب
    ماذا أكتب ؟
    هل أحكي عن مشاعري الآن؟
    إذن فلأخط آلاف الخطوط في كل الاتجاهات حتى تصبح الورقة صفحة سوداء بلا كلام معروف وبلا رسم محدد، فلن يفهم هذه الخطوط سواه. ..
    ++++
    اليوم
    تضع يديها على قلبها
    تضغط عليها بقوة
    كي لا يبكي..
    بعد ان قرات ما كتبت…
    +++
    اليوم ..كان كميلاد الكون يبحث النشوة والحياة في كل الاصقاع…

  10. قلوبنا
    استاذ موفق
    لا تتصور ابدا ان القلوب تتشابهه
    …فقد تتشابهه القلوب يوما اذا تشابهت شكل كل الناس..
    هنيئا لها صاحبةهذه الكلمات ..

  11. قصة كل عاشق
    قصة كل عاشق يخفي اكثر مما يظهر
    ابدعت ايها الكاتب

  12. اعتراف
    وكانت ثمة حياه باعترافك الجميل
    ايها الغلام الصالح ايها الموفق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock