فكر وأديان

“أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون”

أسامة شحادة*

العنوان هو الآية 115 من سورة “المؤمنون”، وهي تختصر حقيقة الصراع الدائم بين المؤمنين والكافرين حول حقيقة الوجود؛ من أوجده؟ ولماذا؟ وإلى أين نمضي؟
هذا الصراع الذي تتجدد صوره وأشكاله وتعبيراته بحسب الزمان والثقافة واللغة، ولكنه يبقى متكررا: هل هناك خالق لهذا الوجود؟ هل هناك حكمة من الوجود؟ هل هذا الوجود الذي نعيشه هو كل شيء، أم هناك وجود آخر سنرحل إليه عبر الموت؟
قد تبدو هذه الأسئلة بديهية عند كثير من المؤمنين، لكنها تشكل معضلة من أكثر المعضلات عند ملايين كثيرة من البشرية اليوم. بل وأصبح بعض شبابنا وشاباتنا غير متأكدين من موقفهم من هذه القضايا مع الأسف!
سبب ذلك ضعف البناء الإيماني لدى الجيل الصاعد في المحاضن التربوية، كالأسرة والمدارس والجامعات، وحتى المساجد. وهذا بدوره نتيجة ضعف المناهج التعليمية، وندرة الكفاءات والقدوات الإيمانية. وفي المقابل، تغول الإعلام الوافد على حياة الناس والناشئة، وقد أصبحت برامج الفضائيات، وخصوصا الدراما، المصدر الأساسي لمعرفة القسم الأكبر من مجتمعاتنا. وهي بذلك تتشرب مفاهيم وقناعات وافدة ومصادمة لديننا وعقيدتنا وهويتنا، خاصة مع الزيادة الرهيبة في المضامين الإلحادية التي ينطوي عليها كثير من هذه المسلسلات والأفلام، وخاصة حين يُتقصد أن تمرر بشكل عرضي وعابر، فستقر في اللاوعي عند المشاهد، ولا تتاح له فرصة التيقظ والحذر منها. ومن هنا عدّ جوزيف ناي في كتابه “القوة الناعمة” برامج الفضائيات كأقوى وسائل التأثير في الخصوم وأفتكها.
لقد أصبح من العادي في حوار الأطفال أو الفتيان في البرامج المترجمة طرح سؤال: هل تؤمن بالله؟ ويكون الجواب بكل بساطة: لا. ويمضى المسلسل أو الفيلم في طريقه من دون توقف، وكأن السؤال والإجابة أمران عاديان، لا يجب التوقف عندهما والاهتمام بهما، ما يضعف مكانة ومركزية الإيمان في القلوب أولاً، ولينعكس ذلك على السلوك والأخلاق والتقيد بالعبادات والشعائر لاحقاً.
وقد أصبح من المهم والضرورى اليوم إعادة التركيز بين المسلمين على هذه المفاهيم الأساسية والمركزية في الإيمان والإسلام، لما سبق الإشارة إليه من غزو إعلامي وافد، وهجوم علماني محلي شرس يستغل الصراع السياسي مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر خصوصاً، لنفي مرجعية وهيمنة الإسلام والوحي الإلهي على الحياة، ومحاولة قصره على العبادات الفردية والشعائر الشخصية، لصالح الأهواء والآراء البشرية.
هذه الآية تلخص لنا جوهر الرؤية القرآنية لهذا الوجود، والمتمثلة في أن الإنسان مخلوق من قِبل الله عز وجل لغاية عظيمة لا عبث فيها، وأن الإنسان سيحاسب على مدى التزامه بالغاية من خلقه في زمن قادم بعد الموت. إذ الموت فاصل في الحياة وليس نهايتها!
نُقل عن الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز أنه خطب فقال: “أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل اللّه فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه اللّه من رحمته، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض. ألم تعلموا أنه لا يؤمن عذاب اللّه غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافذاً بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان؟ ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين وسيكون مَن بعدكم الباقين، حتى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى اللّه عزَّ وجلَّ قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا اللّه عباد اللّه قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم”. ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله.
للأسف، أصبح في شباب وشابات المسلمين من يحتاج إلى سرد الأدلة والبراهين العلمية على وجود الله عز وجل، والأدلة على أنه هو الخالق والمدبر لهذا الكون، رغم أن قراءة متمهلة للقرآن الكريم وآياته تخبر عن دقيق صنع الله وشموليته وعظمته، ومن دون أن ينازعه شيء عبر التاريخ في قضية الخلق: “هل من خالق غير الله يرزقكم” (فاطر، الآية 3)؛ “هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه” (لقمان، الآية 11). فمثل هاتين الآيتين وسواهما توضح وترسخ في القلب بسهولة هذا الإيمان بوجود الله عز وجل، وكونه الخالق المدبر الرازق لهذا الوجود. لكن حين يتخرج الطالب من الثانوية وهو لا يحسن القراءة، فضلاً عن تذوق جمال اللغة العربية، فكيف سيستفيد من أنوار القرآن والوحي الإلهي؟ وأيضاً حين يتخرج الطالب من الجامعة وهو لا يحب القراءة ويحن إليها، فضلاً عن أن يعرف قواعد القراءة السليمة والمثمرة التي تكسبه المعرفة والعلم، فكيف يروي قلبه من روح القرآن؟
ولما يتأمل الإنسان -وليس المسلم أو المؤمن فقط- في تفاصيل خلق الله في نفسه أو في الكائنات الأخرى، سواء بالمطالعة أو من خلال البرامج الوثائقية العلمية كأفلام د. يحيى هارون، أو حتى برامج قناة “ناشيونال جيوغرافيك”، ويرى الدقة المتناهية في الجزيئات الدقيقة والكبيرة التي لم تعرفها البشرية إلا مع ذروة تقدم التكنولوجيا، أو يلاحظ الجمال والتناسق والذوق في الكائنات، أو يدقق في الانسجام والتكامل بين الموجودات.. هل يبقى في قلبه ذرة شك في أن هذا كله لم يكن عبثا: “ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك” (آل عمران، الآية 191).
العقل السليم يرفض وجود آلة متقنة الصنع لا عيب فيها، لا يَعرف صانعها الغرض والغاية منها! إذ لا يمكن صناعة شيء من دون وجود وظيفة له وغاية وهدف، يسعى الصانع إليها من صنعه لهذا الشيء. وهكذا الإنسان وهذا الكون؛ لم يخلقهما الله عز وجل حتى يكون الناس في الكون مهملين لا قانون يضبطهم أو شريعة توجههم، بل يقومون بالفساد والإفساد والظلم والطغيان. وهو ما شهده تاريخ البشرية الطويل كلما انحرفوا عن صحيح الدين ونور الوحي. بل خلقهم الله عز وجل لغاية بينة واضحة: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات، الآية 56)؛ أي يعرفون ويطيعون. يعرفون مَن خلقهم ويرزقهم ويدبرهم، ومن سيحاسبهم على أعمالهم؛ ويطيعون أوامره ونواهيه التي بها تصلح أحوالهم ومعيشتهم.
والعاقل هو من أدرك مراد الخالق منه، وأدرك أن فيه نجاته ونجاة البشرية. لذا، فبرغم ما بذل أعداء الإسلام في الطعن فيه وتشويهه، إلا إنهم لم يجدوا فيه أمراً أو نهياً واحداً يضر بمصلحة الإنسان من كونه إنسانا؛ لا في طعام ولا في شراب أو لباس أو معاملة أو عبادة أو خلق أو عقيدة، بخلاف ما تحرف من الأديان السماوية أو ما صنعه البشر من مذاهب وطوائف؛ فلا تخلو ممّا يضر الإنسان من حيث هو إنسان. وأيضاً، لم يجدوا في تاريخ الإسلام إساءة لإنسان بدافع من الإسلام. وُجدت إساءة من بعض القادة والناس، لكنها لم تقتصر على غير المسلم، ولم تكن بدافع من الإسلام، وإنما لهوى ومصلحة غلفها أولئك المسيئون بلبوس الدين، أو لانحراف الفهم عن صحيح الإسلام.
إن الإيمان بالبعث والوقوف بين يدي الله عز وجل، هو ما يعطي هذا الوجود منطقاً وحكمة. فهذا الخلق المتقن الدقيق الجميل، لابد له من غاية، ومعرفة الله وعمارة الكون بطاعته. وهو ما قامت به الحضارة الإسلامية على أكمل وجه. ولكن، هل ينجو الطغاة بجرائمهم وظلمهم؟ وهل شقاء المظلومين والضعفاء حق؟
هنا أهمية الإيمان بالبعث والإيمان باليوم الآخر، حتى توضع الموازين لنشر العدل ورفع الظلم، ويأخذ الحق مجراه.
إن قضية الحياة بعد الموت قضية غير معقدة لمن تأمل؛ فقبل الحياة أين كنا؟ وكيف جاء الله عز وجل بنا؟ ومن ثم، فإن من جاء بنا من العدم أول مرة، قادر على إيجادنا مرة أخرى، وبكل يسر.
والعجيب أن بعض الناس يجادلون في قدرة الله عز وجل على إعادة الحياة والبعث والنشور، ولكنه يقضي ساعات طوال وهو يشاهد أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن خلق الإنسان، وعن تجميد البشر مئات السنين… وقد تصبح عند بعضهم قضية ممكنة لكنها تحتاج وقتا!

*كاتب أردني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock