;
ترجمات

أفضل أمل للعراق

توماس فريدمان – (نيويورك تايمز)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

السليمانية، العراق–  إنني شخص أكره حفلات التخرج، لكن هذا الحفل بالذات ملأني بعواطف مختلفة.
عندما اعتلت دينا دارا خشبة المسرح– وكانت المتحدثة باسم الطلبة والطالبة المتفوقة في فوج العام 2014 من خريجي الجامعة الأميركية في العراق، السليمانية في كردستان- كانت الشمس قد غربت لتوها، محيلة جبل أزمار في الخلفية إلى ستارة بنية قانية ضاربة إلى الاحمرار. كان نحو 70% من فوج الخريجين من الأكراد، في حين كان الباقون من كل زاوية ودين وقبيلة في العراق.
كان الآباء ممتلئين بالفخر، وهم يحملون الهواتف الخلوية في يد ويحملون في الأخرى الأكاليل وباقات الورود، وقد قطعوا كل الطريق من البصرة وبغداد مرتدين أجود ما لديهم من ثياب، لمشاهدة فلذات أكبادهم وهم يحصلون على شهادات التخرج من جامعة على الطراز الأميركي. وقامت ثلاث محطات تلفازية كردية ببث حفل التخرج حياً على الهواء.
قالت دارا التي ستلتحق بكلية للدراسات العليا في “تفتس” لرفاقها: “لقد كانت رحلة رائعة”.(منذ افتتاح الجامعة في العام 2007، كان كل المتفوقين من النساء العراقيات). وأضافت دارا: “لقد مررنا بتجربة مختلفة تماماً ونحن نعيش في مساكن الطلبة. وهذا المساء.. أصبحنا متسلحين بشيئين: أولاً التعليم الأميركي ذو القيمة العالية، الذي يجعلنا أكفاء ومؤهلين كسائر الطلبة في العالم. وثانياً، التمكين في تعليم الآداب الليبرالية”. وفيما نحن “نتدرب على أساليب التفكير الناقد التي كانت محور تعليمنا هنا، وفيما نحن نحاول الانتقال إلى ما وراء المعتقدات التقليدية، ووراء ما يقترحه الآخرون، فإننا قد نخوض كفاحاً. ولكن، أليست هذه هي الطريقة التي تبنى بها الأمم؟”.
بينما أجلس بالقرب من دارا (كنت متحدث حفل التخرج)، كنت أفكر: هذه هي الكيفية التي كان من المفترض أن تنتهي بها قصة العراق، لكنها لم تفعل، ليس بعد. وتبقى كردستان قصة النجاح التي لا تُحكى للحرب العراقية، والشيء الوحيد الذي يستطيع المحاربون القدامى الأميركيون أن يفتخروا به لأنهم ساعدوا في خلقه -أولاً من خلال حماية الأكراد من صدام حسين من خلال فرض منطقة حظر الطيران، وثانياً عبر الإطاحة بنظام صدام الذي كان قد حاول محو الأكراد بالغاز السام في العام 1988.
لكنهم كانوا الأكراد هم الذين استخدموا نافذة الحرية التي فتحناها لهم للتغلب على الانقسامات الداخلية، والشروع في إصلاح سياساتهم التي كانت ذات مرة مثل السوبرانو، وخلق اقتصاد نشط يقوم الآن بتشييد ناطحات سحاب وكليات في البلدات الرئيسية في أربيل والسليمانية. وفي كل مكان ذهبت إليه هنا، قابلت “مهاجرين عائدين”، أكراداً عادوا إلى وطنهم في شمال شرقي العراق بسبب كل الفرص المتاحة هنا.
تمثل كردستان العراق الآن كل شيء لم يحدث في بغداد التي يسيطر عليها الشيعة والمناطق السنية من العراق، حيث تصرف رئيس الوزراء، نوري كمال المالكي، كزعيم طائفي موال للشيعة وفاقد للرؤية، وحيث يسود العنف بوفرة. كان المالكي “رجلنا”. وهكذا، باستطاعتك القول أننا تركنا خلفنا “هديتين” كبيرتين للعراق: زعيماً أوتوقراطياً نصبه الأميركيون، وجامعة أميركية تعلم قيم الشمولية التي لا يمارسها المالكي. وعلى المدى البعيد، وبعد ذهاب المالكي، نستطيع أن نأمل -كما حدث في فيتنام بشكل جزئي- بأن تنتصر قيمنا حيث فشلت قوتنا. وما تزال الطريق طويلة إلى هناك، لكن ذلك يمثل بوضوح ما يأمله الطلبة في الجامعة الأميركية.
قالت لي بيري هوشير، الطالبة في كلية الهندسة: “يشعر الناس الذين يتخرجون من هنا بأنهم يستطيعون أن يصنعوا تغييراً. إنهم يأتون إلى هنا كأناس مقيدين بالأعراف المجتمعية، ويغادرون كأفراد يتوافرون على قيم يطبقونها في حيواتهم. كلنا نعتقد بأننا سنكون قادة المستقبل. إن العراق لم ينته. لقد بدأنا وحسب. ونحن نبني من الصفر. والأمر يستغرق وقتاً”.
وقال لي كروان غازناي، 24 عاماً، إنه شب على قراءة الكتب عن صدام. وقال: “الآن، أصبح لدينا هذا التعليم الأميركي. لم أكن أعرف من كان توماس جيفرسون. ولم أعرف من كان جيمس ماديسون. ولذلك، وعندما ترتكب الحكومة خطأ، أصبح بوسعنا الآن أن نقول: هذا خطأ. لقد تم تثقيفي… لقد خضت السباق لمنصب رئيس الطلبة، وصوت الطلبة العرب لصالحي. إننا نعيش كعائلة هنا في الجامعة. أنا لست متشائماً بخصوص العراق. إننا نستطيع العمل سوية إذا أردنا ذلك”.
كرئيس للطلبة، أقنع غازناي الحكومة الكردية بإصدار بطاقة هوية خاصة لطلبة الجامعة الأميركية من السنة والشيعة، والتي يستطيعون استخدامها للمرور بسهولة عبر نقاط التفتيش التي تحمي هذه المنطقة من باقي العراق. وقال لي عيسى محمد، 22 عاماً، وهو شيعي من بغداد، إن هذا كان ما حدا به إلى دعم غازناي: “يستطيع أي طالب عربي في الجامعة الأميركية الآن المرور من كل نقاط التفتيش والمطارات” في كردستان من دون صعوبات.
وقالت شايان حامد، 23 عاماً: “إنك تسمع أن قادتك السياسيين يطبقون الديمقراطية، لكنهم يعرفونها بالطريقة التي تناسبهم. أما عندما تتعلم ما الذي تعنيه في نصوص حقيقية، فإنك تدرك عندئذ أن هذه التي تطبق في بلدك ليست الديمقراطية”. قلت لها إنني ظننت أن العراق قد انتهى. فأجابت: “لم تنته ألمانيا بعد هتلر. ولم تنته روسيا بعد ستالين. فلماذا إذن يجب أن ينتهي العراق بعد صدام؟”
أما ميوان نهرو، 23عاماً، فلخصت كل شيء في منظور واحد: “كان والدي في الجبال كمقاتل في البشمرغا (رجال حرب العصابات الأكراد في الثمانينيات والتسعينيات)، والآن تركته عائلتنا في الجبال وجاءت إلى هنا في الجامعة الأميركية حيث أقول ما أريد قوله”.
نعم هذه جامعة للنخبة، وكردستان هي جزيرة اللباقة في بحر ما يزال متلاطماً، لكن قوة المثال هي شيء مضحك. إنك لا تعرف كيف ينتشر. المزيد من الجامعات الأميركية، رجاء– وليس الطائرات من دون طيار وحسب.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iraq’s Best Hope 

[email protected]

@abdrahamanalhuseini

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock