أفكار ومواقف

أفعال الحركة أم أقوال وثيقتها؟

أعلنت “الحركة الإسلامية” وثيقتها السياسية التي طال انتظارها، وقوبلت بفتور من مستقبليها والقليلين المعلقين عليها، حيث تراوحت الآراء بين الترحيب بالخطوة من حيث المبدأ، وآخرون رأوها كلاما عاما مكررا لا يقدم الكثير ولا يختلف عن الخطاب المعلن للحركة منذ عدد من السنوات.
كان ملفتا إعلان الوثيقة باسم “الحركة الإسلامية” في دلالة ضمنية على اعتراف القائمين عليها أن “جماعة الإخوان” غير مرخصة ولا تحظى بشرعية قانونية، لاسيما مع وجود “جمعية الجماعة” المرخصة والشرعية. التسمية تثير سؤالا تاريخيا عن أحقية أي جهة بتمثيل الحركة الإسلامية حصريا في ظل تعدد جهات ومنابر تيار الإسلام السياسي.
يخطئ القائمون على الوثيقة إذا اعتقدوا أنها كافية لإعادة إنتاجهم أو تقديمهم بحلة جديدة في المرحلة السياسية القادمة، فالأفعال ما تزال بعيدة كل البعد عن تلك التي تبناها جيلهم المؤسس الراشد الذي يتغنون به في وثيقتهم. الأفعال لا الأقوال هي التي ستحدد أي تقييم موضوعي للمرحلة القادمة، وهي وحدها القادرة على تبديد هواجس المغالبة السياسية الداخلية التي تسعى إليها الجماعة غير المرخصة ومواقفها العابرة للحدود المخالفة للقواعد السياسية الأردنية والمجرمة بإحكام القانون. المطلوب مضمونا أكبر من الوثيقة المطروحة وفعلا بائنا يثبت صدق الطرح.
بديهي أن يتساءل المهتمون بهذا الشأن عن سبب إحجام الجماعة غير المرخصة عن التقدم بالترخيص بأي شكل قانوني يرتضونه، لينسجموا بذلك مع تنظيرهم في وثيقتهم حول دولة القانون وسيادته. كيف نفهم أو نقبل أن تستمر الجماعة بعدم الانصياع لدولة القانون وعدم الترخيص، فهي بذلك تفعل عكس ما تعلن، وتتنمر على الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وترى نفسها ندا للحكومات وأكبر من أي طيف سياسي آخر لا جزءا من التعدد والتنوع الذي تقول إنها تنشده. هل سيقبل القائمون على الوثيقة أن أصبحوا هم السلطة التنفيذية أن يتطاول آخرون مثلهم على القانون.
كيف نوائم بين وثيقة تتحدث عن التطور والحداثة، وبين السلوك والمواقف من تطوير المناهج التي رفضوها وأحرقوها ضمن حكم أحادي إقصائي. ألا يدل ذلك على عقلية تحتكر الحقيقة وترفض أي تطور يتعارض مع ما تريد، ويبرهن على انعدام قبول التعددية وغياب خطير لثقافة الحوار. لماذا اعتبروا أن تغييرهم للمناهج إبان مشاركتهم في حكومة مضر بدران في العام 1989مشروع وحق للسلطة التنفيذية والآن يعتبرونه ممنوعا وضد القيم والدين. وماذا عن كلام الوثيقة الحضاري حول المرأة ودورها وقيمتها، وهل يتوقع منا قبول ذلك كمؤشر على تغيير حقيقي بالنهج حيال قبول تعددية المجتمع وأطيافه وتبايناته. هل سيسمح القائمون على الوثيقة للمرأة بالجلوس مع زوجها أو أخيها بالصفوف الأولى في المناسبات العامة أم سيجبرونها على الجلوس بالخلف حيث يعتقدون أنه مكانها الطبيعي.
هذه ليست محاكمة شاملة للوثيقة، فهي بالمحصلة شيء إيجابي يحقق نفعا، وإنما هي محاولة للإشارة إلى أن هذا الطرح أقل بكثير من المطلوب والمتوقع والذي تتطلبه المرحلة والمستقبل، وهي ذات أثر منعدم إذا لم تترافق الأفعال مع الأقوال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock