أفكار ومواقف

أفكار غير متسلسلة

منذ ارتفاع أسعار النفط في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، استدار العديد من مجتمعاتنا صوب الجزيرة العربية، لتصبح عواصم الدول النفطية مراكز تأثير على طرق التفكير واللباس والأكل والحديث وأنماط الاستهلاك، وحتى الموسيقى. فأصبحنا نستخدم البخور، ونتذوق المكبوس، ونستورد المعسل البحريني، ونلبس الدشاديش والعباءات في أيام الجمعة. وفي هذه الحقبة، ظهرت إلى الوجود الثورة الإيرانية التي بدت لكثيرين من أولى صور التمرد الصارخ على الهيمنة الغربية، وذلك قبل أن تشتعل الحرب العراقية-الإيرانية، وتتخذ الأنظمة العربية، عموما، قرارا بمقاومة إيران ومحاولة وقف تقدمها.
كجزء من التعبئة والوقوف في وجه “المد الشيعي”، كما جرى تعريفه سياسيا، تكاثر رجال الدين والأئمة والدعاة من المذاهب السلفية المتصلة بالأنظمة، وتحول كثير من أساتذة الجامعات في حقول العلوم الاجتماعية والتربوية، إلى وعاظ ومرشدين ودعاة، مستفيدين من أدبيات العلوم الإنسانية وخلفياتهم في العلوم الإسلامية؛ فاجتاحوا الفضاء الإعلامي، واكتسبوا شهرة كبيرة، وقدرة على التأثير وقيادة الرأي العام العربي.
وقد أدى انتشار القنوات المتخصصة في الفتاوى وشرح مذاهب، وإرشادات ودروس الشيوخ الجدد وقراءاتهم وتفسيراتهم، إلى هيمنة التدين على المجال العام، وتحوله إلى مظهر من مظاهر حياة الشرق العربي، والذي يصعب تجاهل تأثيره على الأجيال، وطرق تفكيرها واتجاهاتها وسلوكها.
في أدبيات الشيوخ وأحاديثهم وخطبهم ومواعظهم ودروسهم، روح أصولية تستقي بياناتها من الجهاد والغزوات، وهو الجانب الأكثر إثارة في قصصهم ورواياتهم. فهم يتسابقون على إعادة بناء القصص والأحداث بشكل جاذب للسامعين، ولا يوجد توجيه أو نزعة لتوظيف المعتقدات في بناء وتنظيم حياة الأفراد بما يحقق العدل والمساواة، ويرفع من سوية أخلاق المعاملة والعمل.
فالفكر الأصولي يتوجه إلى رسم صورة المجتمع في فجر الإسلام. والتجربة المعاشة لكثير من الشباب والأجيال، تتعارض تماما مع هذه الصورة، ما يدفع البعض إلى الانزواء والانعزال أو الانسحاب من الحياة العامة، والاتجاه للبحث عن النموذج الذي تقدمه أدبيات الشيوخ، وتعد الأتباع بالأجر في الدنيا والآخرة.
البرامج الدولية والوطنية التي تعد لمكافحة التطرف والإرهاب، لا تتوقف كثيرا عند هذه الحقائق، وغالبا ما تتعامل معهما تعاملا أمنيا عسكريا إن فعلت، وبصورة انتقائية، الأمر الذي يبقي الخطر قائما ومتجددا بمستويات تفوق التوقعات.
قد تكون التحالفات التي يقودها الغرب مفيدة إذا كانت هناك أهداف عسكرية واضحة يراد تدميرها. لكنها غير مناسبة إطلاقا للتعامل مع تفكيك البنية المعرفية وتعديل الاتجاهات التي توجه الأفراد بالدوافع لتبني القيم والمواقف المعادية للآخر، والمبررات التي يستخدمونها لتكفيره وتدميره.
التقدم نحو المستقبل والاحتفاء بالحياة، يحتاجان خطابا وتنشئة وتوجيها ومناهج غير الخطاب والأفكار والفتاوى التي توجه الأفراد للانتقام من الآخر واستعجال الموت. والمفزع حقا أن الذين يرعون هذا الخطاب يدعمونه ظاهريا، ويقودون -على الأغلب- حياة خاصة تتعارض معه في كل تفصيلاتها.الكثير من السياسات التي نتبناها في مواجهة التطرف والإرهاب تفتقر إلى معرفة وحقائق وبيانات حول تشكل الظاهرة وأصولها وديناميتها، وهي تحتاج نماذج سببية تفسيرية تبين التأثير المتبادل بين العوامل البيئية والتربوية وبين أنماط الشخصيات المعرضة لأخطار تبني الاتجاهات والمواقف المعادية للمجتمع والحياة والآخر، وتبين مستوى ونوعية وزمن التدخلات الكفيلة بتخليص الأفراد من الدوافع، وتمكينهم من التكيف والامتثال والتفاعل في إطار الأهداف التي يضعها المجتمع ويوجههم نحوها.
المكون الآخر والأهم في السياسات الناجحة لمكافحة التطرف والإرهاب، يتمثل في إشاعة حريات التعبير والتفكير، وتعزيز ممارسات العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص للجميع.

انتخابات 2020
19 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock