آخر الأخبار حياتنا

أفلام لا تخلو من الجرأة ومخاطر الحروب في “وهران للفيلم العربي”

إسراء الردايدة

وهران– في الطبعة الثامنة من مهرجان “وهران للفيلم العربي” التي انطلقت فعالياتها الأربعاء الماضي، لكل فيلم مشارك حكاية وثيمة لا تخلو من الجرأة، وكانت مستويات الأعمال في الوقت ذاته متباينة.
وبين مشاركة 38 فيلما طويلا وقصيرا بين روائي ووثائقي، كان للحرب ومخاطرها حضور تمثل في فيلم المخرج التونسي أمين بوهريص “الحي يروح”، وقدم من خلال وجهة نظر ناقلها وهو المصور الصحفي الحربي.
الفيلم يتناول مقابلات خاصة وصعبة لمراسلين عدة عرب وعالميين يعملون في الحرب، خصوصا في الأحداث الأخيرة في ثورات الربيع العربي التي هزت دولا مختلفة، ولكل شهادة في الفيلم رمزية بالغة تعكس حجم الخطر المحيط بهؤلاء الجنود لنقل المعلومة بصور حية قد يكون الثمن فيها حياتهم.
شهادات حقيقية، بين الثورة الليبية والتونسية والسورية وميدان التحرير، لكل واحد لحظته التي رأى فيها الموت أمام عينيه تحت إطلاق الرصاص والدخان المسيل للدموع.
ما قدمه بوخريص يكشف أسرار مهنة الموت التي تصور لحظات حرجة والخطر المحدق بالعاملين فيها، وآخرها كان تلك الشهادات المتعلقة بتصوير اللحظات الأخيرة من حياة مراسل الحرب لوكاس دوليكا، ومراسل الحرب الفرنسي ريمي أوشليك الذي توفي في تونس في 14 كانون الثاني (يناير) 2011، فيما دوليكا توفي تحت القصف وخلال تأديته لواجبه في 22 شباط (فبراير) 2012 بحي بابا عمرو بسورية إثر قصف جوي، وذلك عندما كان بصدد أداء رسالته الصحفية.
الواقعية والإنسانية لم تغيبا عن شريط بوخريص، ونقلت المشاهد لخلف الكاميرا رغم تداخل التقارير الصحفية والخبرية في مادته الدسمة والتي ربما فقدت في لحظة ما قوتها في الصراع مع صعوبة هذه المهنة، حيث تداخل الصور والأمكنة.
ورغم أن الأيام الأولى للمهرجان شهدت بعض الفوضى في التنظيم، حيث تم تغيير موعد العورض والبرنامج الرسمي، لكن الأجواء كانت مفعمة بالحيوية والتفاعل بين الجمهور والنقاد والعروض.
وما بين سوء للتنظيم وسوء توزيع للعروض والأفلام في ثلاث دور للعرض، وصل بعض الضيوف المشاركين بعد حفل الافتتاح مباشرة الأربعاء الماضي بعد تأخير للرحلات وتغيير المواعيد.
وللمهرجان هفوات منها طول الأيام للمهرجان وسوء توزيع العروض حيث إنها لا تعاد، فيما خصص للفيلم للأردني “ذيب” لمخرجه ناجي أبو نوار عرض آخر، بسبب الطلب الجماهيري من جهة، وسوء اختيار الموعد الأول لعرضه من جهة أخرى، فيما أصداء الفيلم كانت إيجابية جدا ومبشرة.
ومن مفاجآت المهرجان، حضور المطرب اللبناني وليد توفيق، والشاب خالد وهو في الأصل من مدينة وهران وحضور للممثلة صباح الجزائري ومحمود حميدة وليلى علوي وصباح الجزائري والفنان خالد أبو النجا.
فيلم “أنا مع العروسة”
والفيلم وثائقي ولكنه ممتع للغاية، للمخرج الشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري والصحفيين الإيطاليين غبريال دل-غراندي وأنتونيو أوغليارو. الفيلم يتتبع الرحلة التي قام من خلالها مخرجو العمل بالمساعدة في تهريب خمسة لاجئين سوريين وفلسطينيين من إيطاليا إلى السويد. ولكي لا يتم كشف أمرهم قام المغامرون باختراع فكرة عرس وهمي ليتمكنوا من عبور الحدود الأوروبية.
يقول غابريل دل غراند أحد مخرجي العمل “الناس الذين يثقون بعصابات التهريب يعرضون حياتهم للخطر، وبدأت قصة الفيلم عندما التقى صناع الفيلم بفلسطيني في مدينة ميلانو الإيطالية، روى لهم قصة وصوله إلى البلاد على متن قارب غرق معظم ركابه خلال الرحلة، طالبا منهم مساعدته في الوصول إلى السويد؛ حيث قرر مخرجو الفيلم مساعدة 5 لاجئين في الوصول إلى السويد من خلال “زفة” عرس، أملا في إبعاد شكوك السلطات؛ إذ تصل عقوبة مثل هذا الجرم إلى السجن 15 عاما.
وأشار إلى أن تمويل الفيلم اعتمد على تبرعات الجمهور؛ إذ بلغت تكلفته نحو 150 ألف يورو، جمع فريق الفيلم 100 ألف يورو منها من خلال موقع لجمع التمويل المجتمعي. كما حصل الفيلم على مساهمة من مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية، إلى جانب مساهمة عدد من المتطوعين.
الفيلم يتناول هاجس الهجرة عبر البحر، فيما يعرف برحلة الموت إلى أوروبا، ورغبة الشباب السوري والفلسطيني بالهجرة للخارح رغبة بالعيش وبحثا عن الأمل.
رحلة أبو نوار “فلسطيني أردني” وزوجته منى “سوريّة” وعبد الله “فلسطيني سوري” يدرس الأدب الإنجليزي في كلية الآداب بدمشق، وأبو منار “فلسطيني سوري” ومعه من أولاده الثلاثة ابنه منار ذو الاثني عشر عاماً، والذي يحلم بأن يكون مغني راب مشهورا في السويد؛ حيث اجتمع هؤلاء كلهم في الجزيرة التي تعد أكبر تجمع للاجئين الناجين من الموت والتابعة لإيطاليا ولامبيدوزا.
الرحلة محفوفة بالمخاطر والجنون، لكنها تلتقط البعد الإنساني بحس لا يخلو من سخرية القدر والأرق بالوقت نفسه، للاحتيال على القانون الدولي في تهريب اللاجئين، ورغم العقوبة التي قد يواجهها من يساعدهم من أجل تحقيق حلم هؤلاء.
ورغم كل هذا ونبل القضية، تبقى بعض المشاعر في قالب هذا الفيلم باردة بعض الشيء، فهم قد يمثلون شريحة واسعة تحلم بمستقبل أفضل لمن ظروفهم كانت ايجابية، بحيث حققت لهم الهرب من الحياة التي كانوا فيها ليؤسسوا أخرى بشكل أفضل، فيما آخرون قابعون تحت الحصار والظروف الصعبة.
يحمل الفيلم أسلوبا شيقا وصورة تقنية عالية احترافية، لكن الحس في تلمس المشاعر الإنسانية واستثارتها لم يكن عاليا بقدر كل الايجابية التي يحملها.
فرحلة المهاجرين غير الشرعيين ستبقى محفوفة بالمخاطر، والتي رسمها المشاركون بالفيلم بوضوح، فهي تلتقط الجانب الإنساني في البحث عن سكن وبيت آمن ورحلة آلاف البشر الذين ابتعلهم البحر في زوارق مختلفة فيما خفر السواحل لم يحركوا ساكنا.
والأهم من كل هذا هو فيلم يمثل الحلم بامتلاك جنسية ووطن، فيما الوطن الأصلي “مرهون” وغير حاضر على أرض الواقع وإن كان في القلب، فمخرج الفيلم نفسه الناصري يحصل على الجنسية الإيطالية بعد خمس سنوات من الغربة.
تكريم حامل السعفة الذهبية “وقائع سنوات الجمر”
المخرج لمحمد لخضر حامينا الذي نال فيلمه السعفة الذهبية في مهرجان “كان” في العام 1967، كان حاضرا في الطبعة الثامنة، ونال تكريما شرفيا كبيرا.
الفيلم ما يزال حتى اليوم هو الأقوى في تناول قضية الاحتلال الفرنسي للجزائر، لغته البصرية انتزعت السعفة الذهبية في “كان” من الفرنسيين وهي أول سعفة مغاربية عربية.
الفيلم عن الثورة والانتفاضة للحرية ومسار الثورة الجزائرية، التي عراها المخرج على الشاشة العملاقة، مبرزا الوعي السياسي.
والفيلم ذو لغة سينمائية عميقة، بطابع ملحمي عايشت تلك الفترة بكل تفاصيلها بدون أن يكون مجرد حشو وبات من كلاسيكيات السينما اليوم، بعناصره البصرية التي تداخلت فيها التراجيديا، لكسر عصر الاستعمار العكسري وحوار الشخصيات المتوازن، فضلا عن الأزياء والديكور وكل ما فيه.
فعاليات مهرجان “وهران للفيلم العربي” مستمرة، وما تزال بعض الأفلام لم تنهِ عروضها بعد، لكنها بالتأكيد تحمل مفاجآت متعددة والأفلام القصيرة ما تزال في أوجها.

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock