أفكار ومواقف

أكبر من العلمانية والدولة المدنية

مرّت المناقشات الساخنة حول تحديث الدولة الوطنية في العالم العربي بموجات متعددة، منذ نشأة معظم الكيانات العربية بعيد الحرب العالمية الثانية. وجل تلك المناقشات دارت حول العلمانية والدولة المدنية ومستقبل الديمقراطية. وعلى كل الأحوال، فإن ما نشهده من مناقشات اليوم في مجتمعات عربية عدة، منها مؤخرا الأردن، ليس إلا واحدة من هذه الموجات، وهي بالمناسبة ليست من أقواها. وللأسف، فإنه في كل مرة تصعد هذه الموجات، تعود وتتراجع وتخبو وتدخل طي النسيان، من دون أن تترك إزاحة حقيقية في بنى المجتمعات وأدوارها.
حان الوقت للبحث عن الشروط المسبقة في تحديث الكيانات العربية، قبل الانشغال بشعارات العلمانية والدولة المدنية. وهي شروط، في الأغلب، مجتمعية وثقافية، وما قيم العلمانية والمدنية إلا نتيجة لتراكم الإنجاز المجتمعي، وليست مجرد شعارات. فما تحتاجه هذه المجتمعات أكبر من مجرد التنظير حول هذه القيم من قبل نخبة صغيرة لا تُرى بالعين المجردة؛ هذه المجتمعات تحتاج شغلا وكدا ووصلا وفصلا مع التاريخ والدين والبنى الاجتماعية والثقافية والسياسية العميقة.
كيف يفكر الناس في بلادنا بقراراتهم اليومية والمصيرية؟ ما هي الخلفيات التي تقف وراء تلك القرارات؟ ما دور كل من الجهل والتضليل والخرافة، والعلم والمعرفة والمصالح والدين، والدين الشعبي والعصبيات، والصور النمطية والمواقف المسبقة، والعلاقات الأبوية، والعلاقات الرعوية التقليدية والجديدة؟ أي معركة تغيير اجتماعي وثقافي نحتاج؟ كم من الزمن، وكم من الأثمان تتطلب؟ كل ذلك يُعنى بخلخلة بنىً راكدة ترتبط بأنماط الإنتاج وعلاقاته، وبأنماط العيش والتفكير معا. في المقابل، ما دور البنى المؤسسية في إنتاج كل تلك الأدوار؛ بدءا من العائلة والعشيرة، مرورا بالمؤسسات الدينية والمؤسسات الرسمية والمؤسسات المدنية؟
المجتمعات العربية خسرت في القرن العشرين معارك عديدة. وفي هذا القرن، يبدو أنها دخلت موجة ظلامية تعيد من خلالها الدوران في موجات تاريخية مرت بها سابقا. فسؤال الدولة الأهم هذه الأيام هو سؤال الدولة الوطنية، فيما قصة مدنية أو دينية الدولة يفترض أنها قصة مكرورة وتجاوزتها الوقائع، وما الأوضاع الراهنة إلا استجابة للفراغ الذي أوجده فشل الدولة الوطنية. هذا الفشل كشف كيف أن النظم السياسية والكيانات لم تخلق إلا قشرة رقيقة تقف عليها هذه الكيانات. فيما نكتشف كل يوم عمق الفقر الاجتماعي والثقافي للدولة الوطنية. فلأول مرة تندمج القواعد الاجتماعية في النقاشات المحتدمة حول القيم الكبرى بفضل تكنولوجيا الاتصال والإعلام المعاصرة؛ ولأول مرة نكتشف حجم فقر فكرة الدولة وفكرة العقد الاجتماعي، فلا يوجد تأصيل اجتماعي وثقافي يحملهما. فماذا تحمل القواعد الاجتماعية التي تسبح على صفحات الشبكات الاتصالية سوى ترديد أفكار أسيرة الماضي، وفي أغلب الأحيان بصورة غير صادقة وغير تاريخية عن ماضيها.
جدل القيم الكبرى ظاهرة صحية بالمعنى العام. لكن محتوى هذه الشعارات ما يزال يدور في الأفكار التي سبقت عصر “الدولة-الأمة” في أوروبا، وهو المسار الذي قد لا يعنينا أن نسلكه بالتمام. فقبل شعارات العلمانية والدولة المدنية، علينا أن نجعل النقد الثقافي للمجتمع والدولة أداة لاستعادة المجتمع من هيمنة الزواج بين الدين والسياسة والاستبداد. وهذه مهمة ليست سهلة، لكنها غير مستحيلة.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. دولة المسلمين دولة مدنية والأردن مثال حي
    قبل 14 قرناً أقام سيدنا محمد (ص) أول دولة مدنية بالعالم بوثيقة المدينة تحترم المكونات وحقوق الإنسان والمرأة والطفل وتحمي النفس والمال والعرض ومساواة أمام العدالة وتعتمد مبايعة قائد جيد أمين وشورى القرار الدنيوي فدولة المسلمين دولة مدنية والأردن مثال حي فقد نشأ على شرعية مبايعة عشائر وقبائل وذوات من كل المنابت لقيادة هاشمية جيدة وأمينة على مبادىء ثورة عربية كبرى تستند لثقافة عربية إسلامية وانتماء لم ينقطع لعالم حر وقيم انسانية بنظام حكم ملكي نيابي ودين الدولة الإسلام وهذا هو عقد الأردن الاجتماعي.

  2. أحييك
    أشكرك على هذه الإضافة الرائعة والتحليل المستنير..
    وأود إضافة فكرة استحالة إعادة بناء منظومتنا الاجتماعية الثقافية على تراكمات موروثها التاريخية دون إعادة تفكيكها بالكامل وإعادة بنائها من مكونات "خام"…

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock