أفكار ومواقف

أكثر من إكراه مدرسي

قصر تعليم الدين أو التربية الدينية في الروضة والمدرسة على الدين أو المذهب الغالب في المجتمع أو الدولة، بحجة الأغلبية أو الأكثرية، يُكوّن متعلمين متعصبين وضيقي الأفق نحو المواطنين من الأديان أو المذاهب الأخرى فيه، وبخاصة إذا كان التعليم إقصائياً أو تكفيريا للغير، كما هي الحال بشأن تعليم الدين الإسلامي أو التربية الإسلامية في كثير من المجتمعات أو الدول المسلمة والإسلامية؛ حيث يغادر الأطفال/ التلاميذ من أصحاب هذه الأديان أو المذاهب غرفة الصف في حصة الدين، فيتعلم الباقون الإقصاء أو التكفير، والمغادرون أنهم مرفوضون ومنبوذون أو كافرون وليسوا مواطنين.
يتعرض الطفل/ التلميذ غير المسلم في معظم بلاد العرب والمسلمين لأربعة إكراهات أو ضغوطات على الأقل في المدرسة: في المناهج المدرسية المنحازة إلى أو المقصورة على الدين/ المذهب الإسلامي؛ وفي الكتب المدرسية المقررة؛ وفي المناهج الخفية عندما تكون جملة المعلمين والمعلمات متعصبة أو تكفيرية؛ وفي الامتحانات المدرسية والعامة عندما توضع أسئلة دينية يطلب من الطفل/ التلميذ غير المسلم الإجابة عنها لأنها جاءت في مادة اللغة العربية أو التربية المدنية أو الوطنية أو الاجتماعيات.
عندما تكون نوايا واضعي المناهج ومؤلفي الكتب المدرسية في خدمة المجتمع وتكوين مواطن “صالح” ووطن متحد، فإنهم يُطعّمون المناهج والكتب المدرسية بجوامع مشتركة بين جميع الأديان والمذاهب والمصالح. ففي الديانة المسيحية -مثلا- يوجد عدد غير قليل من الآيات والأمثال والحكم التي صدرت عن المسيح عليه السلام، تعلي من شأن الإنسان والحياة والحق والعدل التي تستحق التعليم والتعلّم. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: فقال له يسوع: “اذهب يا شيطان! فقد كتب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد”. وقال: “طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى فإنهم سُيعزون. طوبى للودعاء فإنه سيرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر، فإنهم سيشبعون. طوبى للرحماء فإنهم سيُرحمون. طوبى لأنقياء القلب فإنهم سيرون الله”. وقال: “لا تدينوا لئلا تدانوا. فإنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم. لماذا تلاحظ القشة في عين أخيك ولكنك لا تلاحظ الخشبة الكبيرة التي في عينك”. وقال: “إن أخطأ أخوك، فاذهب إليه وعاتبه بينك وبينه على انفراد”.
بتطعيم المناهج والكتب المدرسية بالمشترك بين الأديان والمذاهب ومكونات المجتمع، يشعر جميع الأطفال/ التلاميذ بالاعتزاز المشترك وبضرورة الاحترام المتبادل والعيش المشترك والمساواة بين الناس. وإلى مثل هذا يدعو الإسلام بقوله تعالى: “
.. وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…”. وهل أفضل من التعليم وسيلة لهذا؟
في بلاد العرب، وفي ابتزاز صريح أو نفاق مريح يُقال: لما كان المسيحيون عرباً، فإن ثقافتهم العامة عربية إسلامية، مما يوجب تعليمهم هذه الثقافة المبثوثة في المناهج والكتب المدرسية. لكن هذه الثقافة تحوي -أصلاً- بعداً مسيحياً يتكتم عليه يجب أن يبرز بتجلياته المختلفة، وإلا كان على القائلين والمنافقين المطالبة بالمثل عندما يكون الأمر بالعكس، أي عندما يكون المسلمون أقلية في مجتمع/ دولة؛ أي هنوداً في الهند، أو صينيين في الصين، أو روساً في روسيا، أو أوروبيين في أوروبا، أو أميركيين في أميركا… أي مطالبتهم باعتماد ثقافة الهند الهندوسية العامة أو البوذية العامة أو المسيحية العامة.
عندما كانت الدعوة الإسلامية سلميةً، كانت تنتشر في العالم بسرعة هائلة، وبخاصة في أوروبا وأميركا، لدرجة جعلت الشركات الأميركية المؤلفة للكتب المدرسية في تسعينيات القرن الماضي تعرض مسودة كتب الاجتماعيات وغيرها على مراكز إسلامية لتدقيقها قبل نشرها (The Council On Islamic Education). وكانت تلك المراكز تضع إرشادات للمؤلفين (Strategies And Structures For Presenting World History With Islam And Muslim History As a Case study, 1994)، مع أن المسلمين في تلك البلدان كانوا طارئين عليها، بينما المسيحيون في بلادنا أصليون وأصيلون.
ترى، هل ينجح/ يفشل تنظيم “داعش” في حرمان المسلمين المقيمين في الغرب من جميع الحقوق التي تمتعوا بها؟ وهل يجعل العالم يعامل الإسلام والمسلمين معاملة النازية والنازيين؟ إن دعوة دونالد ترامب، المرشح للرئاسة في أميركا، هي البداية، وقد تنتهي تداعياتها بذلك. أفيقوا، استيقظوا أيها المسلمون!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock