ترجمات

أكثر من الموصل: خطط نوري المالكي لعراق مقسم

ريدار فيسر – (فورين أفيرز)

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 في الآونة الأخيرة، أصبحت السياسة العراقية تغص بالتناقضات. ففي 30 نيسان (أبريل) قام الملايين من الناخبين –بمن فيهم ملايين من العرب السنة- باختيار مرشحين معظمهم من المعتدلين في ثالث انتخابات عامة تجرى في البلاد منذ تم تبني دستورها الحالي في العام 2005. وبعد بضعة أسابيع فقط، سقطت الحكومة المحلية في أكبر مدينة سنية في العراق، الموصل، أمام جماعة من المتطرفين المتمركزين في سورية، والتي تدعو نفسها الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش”. وقاومت القوات الأمنية في المدينة بالكاد زحف المجموعة المتشددة.
مع تدهور الوضع في مدينة الموصل بسرعة، يبدو أن رئيس الوزراء نوري المالكي يتأمل بديلين رئيسيين: المضي قدماً في تشكيل مجلس وزراء جديد، والذي سيتطلب منه في حال أراد تحقيق قدر من الاستقرار، أن يضم فيه بعضاً من خصومه السياسيين على الأقل؛ أو أن يقوم بتعزيز نفوذه بين العراقيين الشيعة، مع منح القليل من الاعتبار لما يمكن أن يحدث للأجزاء السنية والكردية من البلد.
يعكس هذان البديلان استراتيجيتين بالغتي الاختلاف، واللتين كان المالكي قد تبناهما على مدى السنوات العديدة الماضية. فمنذ أصبح رئيساً للوزراء في العام 2006، حاول المالكي في بعض الأحيان أن يتسامى على التقسيمات العرقية والطائفية التي كانت قد وسمت السياسات العراقية منذ غزو الولايات المتحدة في العام 2003. وعن طريق مطاردة المتشددين من طائفته الشيعية نفسها، خاصة التيار الصدري، حاول المالكي أن يرسم نفسه كرئيس وزراء لكل العراقيين. وبالإصرار على تطبيق سياسة مركزية للطاقة، تسبب في انهيار الاتفاق الشيعي-الكردي الذي كان يشكل موضوعاً مركزياً في السياسات العراقية للسنوات السابقة. كما قام أيضاً باستبعاد وإهمال العديد من مواطنيه الشيعة في مدينة البصرة وفي أقصى الجنوب، والذين كانوا قد أملوا في تحقيق قدر أكبر من الاستقلال في مجال الطاقة. وأخيراً، وعن طريق الوقوف بحزم ضد المطالب الكردية ببعض المناطق في الشمال، كسب المالكي أصدقاء من خارج مجتمعه العرقي-الديني الخاص، بمن فيهم التركمان السنة، والعرب السنة، والمسيحيين الذين يعيشون في تلك المناطق.
كانت محاولات المالكي لتجاوز سياسات العراق المنقسمة أكثر حماسة في الأعوام ما بين 2008 و2010، عندما اكتشف أنه يمكن أن يعزز نفوذه الخاص عن طريق تحدي نظرائه من الساسة الشيعة، وأن يبدو أكثر قبولاً لدى العراقيين بشكل أوسع إطاراً. لكنه خططه سقطت على الطريق بعد الانتخابات العامة التي جرت في العام 2010، على الأقل بفضل جهد منسق بذلته الأحزاب الشيعية الأخرى وإيران من أجل إعادته إلى الحظيرة الطائفية. لكن المالكي حاول مع ذلك أن يعيد إحياء استراتيجياته القديمة قبل الانتخابات العامة التي جرت في هذا العام. وفي ذلك السباق، تحدث عن “الأغلبية السياسية” في العراق، وبدا وأنه يفترض أنه سيكون قادراً على كسب بعض العرب السنة على الأقل، من الذين ربما يضمون قواهم إليه في الصراع للقضاء على المحاولات الكردية لتحقيق استقلال يزداد تعاظماً بلا توقف في سياسة الطاقة.
مع ذلك، وفي الوقت نفسه، كان هناك مالكي مختلف -أكثر طائفية- يختبئ غير بعيد مباشرة خلف الزاوية. وفي ولايته الأولى –على سبيل المثال- كان المالكي واحداً من الشيعة القليلين الذين حثوا على الاعتدال في برنامج النظام لاجتثاث البعث. لكنه كان بالغ الانتقائية في اعتداله؛ فمن غير اعتبار للمعايير القانونية، كان يتم السماح للبعثيين السابقين من الشيعة بالاستمرار في الخدمة، بينما يتم الاستغناء عن خدمات نظرائهم السنة في أغلب الأحيان. وفي فترة ولايته الثانية، أصبح المالكي مرتبطاً أيضاً بمشاريع تفيض برائحة الطائفية. في بعض الأحيان، كانت تلك البرامج تذهب أبعد حتى من المخططات التي انتقدها هو نفسه وراءاً في العام 2005، مثل خطة وضعها بعض منافسيه السياسيين من الشيعة لإقامة كانتون فيدرالي شيعي. وكان المالكي قد رفض هذه الفكرة في ذلك الوقت باعتبارها وصفة لتقسيم العراق. لكنه قام، مباشرة قبل انتخابات هذا العام، بدعم تشريع مشابه لخلق محافظات جديدة في عدد من المناطق في شمال العراق –وهي خطوة من شأنها أن تحمي الأقليات الشيعية هناك من السيطرة السنية، وتنطوي على إمكانية ربطهم بمحافظة بغداد التي يهيمن عليها الشيعة. وعلى مستوى أكثر عمومية، وعلى الرغم من الكثير من الفرص التي أتيحت خلال فترتيه اللتين قضاهما في المنصب، أخفق المالكي في مد يده إلى المجتمعات العربية السنية، باستثناء إقامة صداقات شخصية مع بعض الشيوخ القبليين المنتقين والساسة المحليين.
كان غموض المالكي بشأن السياسات الطائفية هو الذي حدد رد فعله على سقوط مدينة الموصل. ويقترح الانسحاب السريع للقوات العراقية من الموصل والمناطق السنية الأخرى إلى أن المالكي قد تخلى عن الدفاع عنها ببساطة، مفضلاً بدلاً من ذلك أن يعزز سيطرته على المناطق الشيعية. وقد أضافت هذه التحركات مزيداً من الوقود إلى الجدالات المستعرة أصلاً حول التقسيم المحتمل للعراق.
مع ذلك، حاول المالكي في الوقت نفسه أن ينآى بنفسه عن انسحاب الجيش، واصفاً إياه بأنه مؤامرة، وملمحاً إلى تورط ساسة سنيين محليين تخريبيين. ويعرف المالكي أنه حتى يتمكن أخيراً من تشكيل حكومة بعد انتخابات 30 نيسان (أبريل) –والتي كان قد خرج منها بأكبر عدد من المقاعد، وإنما من دون أغلبية مطلقة- فإنه سيحتاج إلى ضم زعيم رئيسي كردي أو سني واحد على الأقل. وحتى الآن، بدا أن غطرسته تمنعه من القيام بذلك، لكن الأحداث المتكشفة في الموصل حقنت أخيراً بعض الواقعية التي تمس الحاجة إليها في تفكيره السياسي.
على المالكي أن يعلم أنه خسر العديد من أوراقه مسبقاً. على سبيل المثال، كان مدى استعداد بعض الساسة السنة سابقاً للتعامل معه يعتمد على موقف المالكي الصلب تجاه المطالب الكردية بالمناطق المتنازع عليها. مع ذلك، وفي أعقاب هجوم “داعش”، قامت القوات الكردية باحتلال معظم تلك المناطق، مجردة بذلك المالكي من أي تأثير قليل كان قد تبقى له على الساسة السنيين العرب. وإذا ما رغب المالكي في إقامة شراكة مع الأكراد بدلاً منهم -ربما أفضل بديل واقعي في الوقت الحاضر- فإنه سيجد أن الأخيرين قد أمنوا مسبقاً الكثير مما يريدونه بأنفسهم. وستكون الأشياء القليلة التي ربما تتبقى للمالكي ليعرضها هي دفعات مالية أكثر سخاءاً للقوات المسلحة الكردية من خزائن الحكومة المركزية، وتقديم تنازلات مؤلمة فيما يتعلق باستقلال قطاع النفط الكردي.
كبديل عن ذلك، ربما يكون المالكي بصدد التفكير بأن عراقاً أصغر يهيمن عليه الشيعة، يعرض له أفضل فرصة للبقاء في السلطة، بما أنه يتمتع بأغلبية برلمانية واضحة في المناطق الشيعية. لكن أي خطوة في اتجاه تقسيم رسمي للبلد سوف يواجه مقاومة إقليمية كبيرة. وعلى الرغم من دعمها للأكراد، ربما لا تكون تركيا جاهزة للاعتراف بكردستان مستقلة تماماً. ومن جهتها، يرجح أن تشعر العربية السعودية بالتهديد في حال استطاعت “داعش” إنشاء قواعد لها خارج سورية. وحتى إيران، بالرغم من أنها قد تتأمل إغواء نشوء عراق أصغر ويضم شيعة أكثر، والذي سيكون أسهل على السيطرة، فإنها لن تكون سعيدة بإغلاق مدخلها إلى سورية بكيان يكون سنياً بوضوح في غرب العراق.
حتى الآن، أشارت ردة فعل المالكي على الأزمة إلى أنه يريد المزيد من تركيز السلطة بدلاً من تقاسمها بشكل أوسع. وقد حاول، مباشرة بعيد سقوط الموصل، أن يفرض حالة الطوارئ، وهي خطة أخفق البرلمان العراقي في تبنيها. وعندما رد مؤيدوه بالتهديد بإشراك المحكمة العراقية العليا، شعر المرء وكأن هذا شيئاً كان قد شاهده من قبل. يبدو أن المالكي ربما يهدف إلى تجميع كتلة من الطاقة القائمة على أغلبيته الشيعية القوية، واعتقاد بأن بقية العراق ليست مهمة ببساطة. وإذا ما قيض لهذا الاتجاه أن يسود خلال الأسابيع المقبلة، فإنه سيعني أن المالكي لم يتعلم أي شيء من سقوط الموصل الدراماتيكي.

*زميل بحث رفيع في المعهد النرويجي للشؤون الدولية، ومحرر الموقع الألكتروني المختص بالعراق “هستوريا”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
More than Mosul: Nuri al-Maliki’s Plans for a Divided Iraq

[email protected]

@alaeddin1963

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock