ترجمات

أكثر من مجرد الخصوصية على المحك في نظام الرصيد الاجتماعي الصيني

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مانس أبراهامسون* – (إنترناشيونال بوليسي دايجست) 10/4/2019
أشار تقرير حديث إلى أن المواطنين الصينيين مُنعوا من شراء تذاكر سفر أكثر من 23 مليون مرة كجزء من نظام الرصيد الاجتماعي، إلى جانب دعوات من مستشاري السياسة الصينيين إلى تعزيز تطبيق النظام وإيضاح أنه قادم، وقادم بقوة. ومنذ تم إعلان الخطوط العريضة لمخططه في حزيران (يونيو) 2014، ظل عنوان نظام الرصيد الاجتماعي الصيني حاضراً دائماً في وسائل الإعلام الغربية.
ركزت التعليقات المبكرة على النظام على طبيعته التطفلية، في حين قللت التعليقات الأكثر حداثة من الطبيعة الأورويلية -للنظام الحالي على الأقل- وعرضَت صورة أكثر دقة له. ومع ذلك، فإن الشيء الذي تشترك فيه كل هذه التعليقات تقريباً هو التركيز أحادي الجانب -أكثر أو أقل- على تصادُم هذا النظام مع الخصوصية. ولم يكن هناك الكثير من النقاش -إذا كان قد وُجد أصلاً- لما إذا كان النظام سوف يعمل حقاً. هل سيكون النظام قادراً حقا على خلق ثقافة الجدارة بالثقة في المجتمع الصيني، كما ترغب الحكومة المركزية؟ وفي رأيي، يمكن خلق الجدارة بالثقة. نعم. أما أصالة هذه الجدارة؟ فلا.
تشير عمليات التطبيق المبكرة لنظام الرصيد الاجتماعي في الصين إلى أن النظام النهائي بعد استكماله سيستفيد من عدد كبير من العقوبات والمكافآت التي سيتم تطبيقها لتشكيل سلوك المواطنين. ومن المعقول تصور أن هذا سيشمل تقييد التنقل، والمسائل المتعلقة بتكاليف السمعة، وفرص أقل في التعليم والتوظيف. وهذه كلها حوافز خارجية. وعندما يتم إدخالها في مجالات في حياة الناس كانت تحكمها في السابق دوافع جوهرية وأصيلة، فسوف تكون المشاكل وفيرة -على الأقل إذا كنت تؤمن بنظرية تزاحم الدوافع.
الفكرة الأساسية هي أن إدخال الحوافز الخارجية، مثل المال، يمكن أن يقوض ويتغلب على الأسباب التي تكون أصيلة وجوهرية في الأساس، والتي تدفع الأشخاص إلى فعل شيء ما، مثل التبرع بالدم، وتؤدي إلى تخفيض أداء هذا النشاط. ولن أتعمق في بسط الأسباب الذي تجعل من هذا واقع الحال؛ لكن الشيء المهم هو أن نلاحظ أن نظام الرصيد الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى قدر أقل من السلوكيات المرغوبة اجتماعياً، وليس أكثر. ولكن في نهاية المطاف، لا أعتقد أن هذا سيكون واقع الحال.
السبب ببساطة هو أن نطاق النظام كبير للغاية بحيث أن كلفة عدم الامتثال ستكون كبيرة للغاية ويصعب تحملها. وإذا كان عبور الشارع والإشارة حمراء سيحدد ما إذا كان يمكن لطفلك أن يذهب إلى مدرسة جيدة، فمن المحتمل أنك ستمتثل -حتى لو كنتَ تعتقد في داخلك بأن النظام سخيف للغاية. وبعبارات أخرى، على الرغم من أن دوافعك للقيام بالفعل تكون قد تغيرت، فإنك ستظل تقوم به. وهكذا، ربما يكون نظام الرصيد الاجتماعي في الصين ناجحاً في تحفيز المواطنين وحثهم على التصرف على النحو المرغوب فيه اجتماعياً: يمكن الاعتماد على المواطنين في التصرف بطرق معينة، وهناك كل أنواع الفوائد لأن هناك جدارة بالثقة في المجتمع. ولكن هذه “الجدارة بالثقة كشيء يعتمد عليه” ليست جدارة أصيلة. وهذا الأمر مهم لسببين.
أولاً، لأن الأشخاص المحفَّزين للقيام بأنشطة معينة من أجل الحصول على مكافآت خارجية في المقام الأول سيحاولون اللعب على النظام. ونحن نعرف هذا من سياسة المساءلة المدرسية على سبيل المثال. وبالنظر إلى أن النظام يستطيع فقط مراقبة وتشكيل ما تمكن ملاحظته وقياسه بسهولة، فإنه يتم تحفيز المواطنين على القيام بأفعال قد لا تكون الأكثر فائدة للمصلحة العامة. وأيضاً، في الحالات التي لا يمكن رصدها بسبب القيود التكنولوجية، لا تكون هناك جدارة أصيلة يمكن الاعتماد عليها. وعلاوة على ذلك، وحتى بالنسبة للأنشطة التي تتم مراقبتها، سوف يحاول الناس التلاعب بالنظام -في الواقع، لوحظت حوادث من القرصنة واختراق النظام من أجل تحسين علامات رصيد الفرد مُسبقاً في الصين. ويشير كل هذا إلى أن نوع الجدارة بالثقة التي يتم إنتاجها في ظل نظام الرصيد الاجتماعي ستكون هشة ومهتزة، على أقل تقدير. أما إذا كان ذلك سيصنع مشكلة، فيعتمد على المواصفات الدقيقة للنظام النهائي.
ثانياً، والذي أعتقد أنه الأكثر أهمية، هو أن التغيير في الدافع يمكن أن يُعد مشكلة في حد ذاته. ففي حين يمكن الاعتماد على الأشخاص للتصرف بطريقة معينة في النظام الجديد -طالما كانت العقوبات والمكافآت هي الجزء الأبرز- فإن نوع الجدارة بالثقة الذي يتم إنشاؤه سيكون بعيداً عن المعنى الأكمل بالجدارة بالثقة حيث يمكن الاعتماد على الأشخاص “للعمل من منطلق ميل شخصي حقيقي إلى الجدارة بالثقة”. وهذه الجدارة الأصيلة بالثقة، إذا استرشدنا بنانسي نيكويست بوتر، هي سمة من سمات الشخصية -فضيلة- حيث لا يكون مبعث الأفعال هو عواقبها الجيدة أو كونها مطلوبة بحكم الواجب، وإنما لأنها خيِّرة في جوهرها وجزء أساسي من الحياة الإنسانية اللائقة. ومن خلال فرض نظام للرصيد اجتماعي، قد يضيع شيء له معنى كبير جداً في المجتمع: قدرة المواطنين على تنمية شخصياتهم وعيش حيوات مزدهرة بعلاقات ذات معنى.
بينما تتحرك الصين بجدّية كبيرة نحو تطبيق نظام رصيد اجتماعي شامل مع عواقب بعيدة المدى على الكيفية التي يعيش بها مواطنوها حيواتهم، من المهم أن نقدر ما هو على المحك. إن حق الناس في الخصوصية هو قيمة كبيرة. لكن ثمة قيمة أخرى كبيرة هي شخصية الناس. ويجب أن يكون هناك المزيد من الانخراط مع العديد من المضامين والتداعيات الأخلاقية للنظام لتكوين صورة أكثر اكتمالاً عن تأثيره -ليس فقط بالنسبة للصين في المستقبل القريب، وإنما للأنظمة المشابهة في الغرب أيضاً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: More is at Stake than just Privacy in China’s Social Credit System

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock