أفكار ومواقف

أكرم زعيتر وصفقة القرن!

الصورة المحفورة في ذهني عن المرحوم أكرم زعيتر والذي التقيته في منزله في عمان مرتين، أنه رجل وادع، وثاقب النظرة، ويحمل كتابا يحدب عليه كما يحدب الجد على حفيده، أتذكر تلك الصورة وأنا أقرأ يومياته عن سنوات الأزمة “1967 – 1970″، والتي أصدرها المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية مؤخرا، ولعل مواقفه وأفكاره كما تجلت في تلك اليوميات وعن فترة هي فعلا سنوات أزمة تعكس شخصيته كفلسطيني بحس قومي يدافع عن فلسطين كقضية قومية، وكرجل دولة أردني كرس كل ثقافته وعلمه وعلاقاته على مستوى العالم العربي خدمة للأردن ونصحا للملك لا مجاملة فيها ولا مصلحة سوى ما يمليه عليه ضميره.
كتاب اليوميات هذا يقع على ستمائة صفحة تقريبا، ولا يمكن استبداله بتلخيص ، ولكن خرجت منه برسائل منها:
إن تاريخ الأردن والجيش الأردني في حرب ١٩٦٧ بحاجة إلى تحقيق ودراسة، فما قدمه الأردن في هذه الحرب من وجهة نظر رجل عايش الحرب أولا بأول شاهد على أن الأردن والقيادة الأردنية قدمت أكثر مما تستطيع وأن الأردنيين جميعا على ضفتي النهر تمسكوا بوحدة أراضي المملكة كموقف وطني استراتيجي أردني.
إن إخفاق الحكومات منذ التأسيس يعود في جزء أساسي منه الى مناكفات رجال السياسة وكيدهم لبعضهم البعض، وإن خلافاتهم الشخصية كانت تتقدم على المصلحة العامة، إلا قليلا منهم ممن رحم ربي، وأعتقد هنا أن غياب تواصل الحياة الحزبية ومقاومتها ساهم في أن رجال الحكومات عموما اعتمدوا على صفاتهم الشخصية وكذلك علاقاتهم وعلى اغتنام الفرص بعيدا عن برامج حزبية وطنية محلية تقدم البرنامج على الشخص.
بالمقابل إن هناك شجاعة عند بعض رجال الحكم ضعفت مع الزمن، فها هو الراحل زعيتر يقف بعد هزيمة 1967، ضد تشكيل حكومة عسكرية، ويلح على الملك بوقف تلك الحكومة دفاعا عن مدنية الدولة الأردنية، ودفاعا عن مهنية جيشه وعدم إقحامه في السياسة، وينجح قبل حلف اليمين بسويعات في إقناع الملك بالعدول عن تلك الحكومة، فانظر شجاعة المستشار وعناده دفاعا عن مصلحة وطنية.
إنه يذكر للنظام الأردني الهاشمي سلميته مع المعارضة، لا بل واشتباكه الإيجابي معها فهذا الراحل الحسين العام 1968 يفاجئ اجتماعا “للتجمع الوطني الأردني” بقيادة المرحوم سليمان النابلسي، لكتابة ميثاق التجمع، فيدخل عليهم الملك ويناقشهم في ساعتين في مواقفهم السياسية ويعلق “…. إن الشيوعيين من الحاضرين كانوا أكثرهم اعتدالا واتزانا واستقامة ومنطقا”.
إن أحوال العالم العربي منذ الاستقلال هي التي مهدت لما آل إليه هذا الوطن وأقطاره جميعا، وإن استقلال تلك الدول كان في أغلبه استقلال تبعية، كما أن تآمر الأنظمة العربية على بعضها وتناحرها هو الذي قادها إلى أن تكون تابعا لإحدى الدول الكبرى، وعلى الرغم من أن للدول الكبرى أطماعا في السيطرة على الدول العربية، إلا أن مجرد وجود تلك الأطماع لم يكن سببا وحيدا بالسيطرة، ولكن تناحر وتفتت الأقطار العربية هو الذي يسر أمر السيطرة عليها، وإن أغلب تلك الخلافات نابعة من أنا شخصية للحاكم العربي، إضافة إلى غياب الديمقراطية والمشاركة الشعبية.
في ظلال يوميات اكرم زعيتر يتراءى لك أن صفقة القرن هي عقد إذعان ليس فيه للطرف العربي الآن لا إرادة تعاقدية ولا سياسة حرة، وهذا الإذعان نتيجة حتمية تاريخية لكل ممارسات العرب منذ النكبة مرورا بالإعلام العربي المزور الخادع في النكسة الذي كان يتشدق بالنصر في حين ان طائراته تدمر على مدارجها في المطارات، وليس انتهاء بالمشاريع القومية “الكلامية”، ولا بزعماء الطوائف الذين حكموا وخاصة في المشرق العربي، وطبعا ذلك جميعه في ظل غياب كامل للمشاركة الشعبية الحقيقية والديمقراطية الكاملة في كل أقطار الوطن العربي.
هذه ليست دعوة للاستسلام ولكنها نظرة لتقدير الأمور ووضعها في مقاديرها، فإن أول الانتصارات هي الإقرار بالهزيمة وتحديد أسبابها، وإلا فإن صفقة القرن لن تمثل قعر انهدار هذه الأمة.
أزعم أن أكرم زعيتر ــ رحمه الله ــ لو كان حيا الآن لما استغرب أي بند في صفقة القرن، لأنه كان شاهدا على أكثر اسبابها، وقد عاش كمدها وغمها وحذر منها ما استطاع لذلك سبيلا، ولهذا فإن بعض الموت رحمة، فاهم علي جنابك ؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock