أفكار ومواقف

أكرم وأطعم

تقتطع صحيفة الغد 20% من إعلانات النعي للتبرع لتكية أم علي لأجل تقديم وجبات الطعام للفقراء والمحتاجين وعابري السبيل، وهي خدمة راسخة في التراث العربي والإسلامي تتجاوز تقديم الطعام للفقراء إلى ضرورات عملية أيضا قد يحتاجها القادمون من خارج المدن والمسافرون، والذين قد لا يكونون فقراء على نحو دائم، ولكنهم يواجهون ظرفا طارئا بسبب السفر أو فقدان المال مؤقتا أو يواجهون فترة قصيرة وعابرة يكونون في حاجة فيها للطعام، وربما تكون هذه الحالات قد تناقصت مع تقدم وسائل الاتصال والمواصلات بعدما كانت ضرورة يحتاجها جميع الناس حتى الأغنياء والمقتدرون.


وتقديم الطعام في التراث العربي ليس صدقة تقدم للناس، ولكنه عملية تضامنية واجتماعية وسلوكية أيضا، فالناس يحضرون إلى الموائد والولائم ليس فقط لأنهم جائعون، ولكن الطعام عملية تجمع وتضامن وتعبير رمزي عن المشاركة (العيش والملح) وقد يكون فيه فرصة متبقية لبعض الناس الذين لا يجدون بانتظام وعلى الدوام أنواعا محددة من الطعام الذي يغلو ثمنه، وقد يكون في تقديم وجبة جيدة من الطعام فرصة تدفع الناس للتمتع بنعم وأطعمة لن يقبلوا عليها بإرادتهم، وهذه من حكم تقديم الهدايا والصدقات والزكاة على نحو عيني وليس نقدي لتدفع الناس بالفعل للتمتع بأنواع ثمينة من الطعام واللباس، وربما تكون بعض الاتجاهات الفقهية والمذاهب تبالغ بذلك فلا ترى صدقة الفطر في نهاية رمضان جائزة إلا بالطعام والطعام فقط، فلا يجوز تقديمها نقدا، والفكرة وإن كانت تمسكا بظاهر النص لكنها تحمل أيضا كثيرا من الحكم والمعاني العميقة، لأن الناس قد يتصرفون بالنقود وفق أولويات واحتياجات وتطلعات كثيرة تغيب أولوية الطعام، أو تحرم نفسها من الطعام الجيد.


في مقالة نشرت في “الغد” في 25/1/2005 عن تكية أم علي والتكايا في التاريخ، للدكتور محمد الأرناؤوط أستاذ التاريخ بجامعة آل البيت عرض ممتع لهذا النوع من الوقفيات والمؤسسات التي بدأت تعمل في المنطقة منذ مئات السنين، وكانت أيضا إلى جانب تقديم الخدمة للناس تكون على قدر جميل ومتقن من البناء والتصميم، وفي ذلك أيضا تكريم للناس والضيوف حتى لا يجدوا أنهم عابرون يتلقون الإحسان والمعونة ولكنهم ضيوف يتمتعون بحق التكافل والضيافة والتكريم، ونقول في تراثنا الأردني: “لاقيني ولا تغديني” فحسن الاستقبال وإكرام الضيف أهم من الطعام، وفي التراث النبوي ثمة تأكيد على “إكرام الضيف” وليس فقط إطعامه، ولذلك فإن شعار أكرم وأطعم يعبر عن هذا النبل العربي الراسخ والمعتبر في التراث مكونا أساسيا من الشخصية يفقد الإنسان بغيابه جزءا كبيرا من مكونه الإنساني.


ومقالة الأستاذة والنائب توجان فيصل عن تكية أم علي يعتد بها في هذا المجال، فهذه المعارضة السياسية تبدي حماسا إنسانيا مؤثرا للتكية وفكرتها ومشروعها الثقافي والاجتماعي، وتواصل أيضا الدور الإنساني للملكة الراحلة علياء “أم علي”، والمؤسسة أولا وأخيرا تقوم على التبرعات والوقفيات دون ضجة إعلامية أو سياسية.


وأعتقد أن فكرة الدكتور الأرناؤوط في أسهم وقفية استثمارية تعود أرباحها لتشغيل التكية وضمان استمرار عملها هي فكرة متقدمة وجديرة بالمتابعة، وإلى أن يحين ذلك فإن التبرع يساعد على مواصلة هذه الرسالة، وفي مبادرة الأميرة هيا بنت الحسين ورعايتها دور أساسي كما نعلم في إنشاء هذا المشروع وتشغيله، ولكنا مسؤولون جميعا عن مأسسته ليبقى قادرا على العمل لمئات وربما آلاف السنين القادمة.


ويأتي اقتراح “الغد” بتخصيص جزء من إيرادات الإعلان فكرة متقدمة وسهلة التطبيق لتحويل النعي إلى تبرع ووقف أيضا يخدم الميت ويحسن إليه ربما أكثر من النعي نفسه، وفي الوقت نفسه فإن المواطن لا يتحمل تكاليف إضافية، فـ“الغد” تساعد المواطنين على تحويل الإعلان التجاري والمجاملة الاجتماعية إلى عمل خير يعود على الميت والمعلن بالثواب وربما يكون صدقة جارية ودائمة تهدى إليه على نحو متصل ودائم.


[email protected]

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock