مكرم أحمد الطراونة

عند إبداء الرأي أو التعليق على قضايا محلية، قد يلجأ البعض إلى تجميل الصورة، أو الحديث بطريقة دبلوماسية تهدف إلى التخفيف من وطأة الواقع إن كان غير سار، أو بطريقة تشحذ الهمم. لكن في بعض التفاصيل يجب أن يكون الكلام مؤلما وموجعا، وأن لا يحتمل الوسطية والمجاملة التي قد تخرجه عن المغزى الذي ينطلق منه.
نعي تماما أن فقدان تسعة من كوادرنا الطبية جراء إصابتهم بفيروس كورونا، مدعاة لأن نقف طويلا أمام هذه الخسارة الفادحة، وأن نترك خلفنا التنظير الفارغ، وأساليب النصح والإرشاد التي بتنا نسمعها كما لو أنها “كلاشيهات” بلا روح ولا هدف حقيقي، كأنما وظيفته الأساسية أن تخرج للعلن فحسب، لتصم آذاننا طيلة الفترة الماضية، حتى بتنا نستمع إلى ألحان من الجنة، وأقدامنا تحرقها النار.
أمام هول ما يجري، والتفاعل والتعاطف الكبيرين والطبيعيين من الشارع الأردني مع كوكبة الأطباء الشهداء التي استسلمت للموت رغما عنها، ننتظر من وزارة الصحة أولا، والحكومة من فوقها أن تجد حلولا جذرية للخطر الذي يحدق بالكوادر الطبية والصحية ممن يحتلون مواقع متقدمة في ساحة القتال ضد كورونا. من حق هؤلاء أن يعودوا في نهاية الليل إلى منازلهم آمنين مطمئنين، وأن يحتضنوا أطفالهم وهم بلا خوف ولا رهبة.
قبل أيام لم يتردد مدير إدارة مستشفيات البشير من رفع إشارة الخطر وهو يتحدث عن الحالة التي يعيشها القطاع الصحي اليوم، وذلك في أعقاب انتشار صور تظهر مرضى يفترشون الأرض في أروقة مستشفى الطوارئ. كانت الصور صادمة، فالحشد كبير، ولا أحد يعلم من منهم مصاب بالفيروس، أو من منهم يعاني من أمراض أخرى. أما الأطباء، ورغم الاحتياطات المطلوبة، فقد كانوا يتجولون بينهم في محاولة لمساعدتهم. لكن الصورة ربما لم تترك أثرا يذكر سوى بالتأكيد على ضرورة توسعة الطاقة الاستيعابية في المستشفيات.
من قبله كان مدير مستشفى الملك المؤسس، الدكتور محمد الغزو، يؤكد أن الأطباء استلموا نصف رواتبهم فقط منذ شهر حزيران الماضي، ولم ينس أن يوضح أن الوضع المادي للمستشفى سيئ، وأن هناك أولويات تتقدم على دفع كامل الرواتب، كتوفير أجهزة وقاية وتعقيم وكمامات وقفازات. ويضيف بتحسر “بطلوع الروح حتى نستطيع تأمين الرواتب آخر الشهر”.
أما يوم أمس، فلم يتوان مدير مستشفى الجامعة الأردنية الدكتور إسلام مساد عن التعبير عن سخطه بعد وفاة العديد من الأطباء في مواجهة جائحة كورونا. مساد كشف أنه تقدم للجهات المعنية قبل 10 أيام بمقترحات عديدة لاقى بعضها استحسانا، بينما جوبه بعضها بعدم الاقتناع. “يجب أن لا ننتظر أكثر.. حتى لا نندم حين لا ينفع الندم”.
ثلاثة من مدراء المستشفيات الكبيرة عبروا عن المعاناة التي تعيشها هذه الصروح الطبية، وأوضحوا أيضا الحال التي يرزح تحت وطأته الطبيب الأردني الذي يعمل بأضعاف طاقته جراء النقص الحاد في الكوادر الصحية، دون أن يضع في حسبانه الخطر الذي يحيط به، لأن لا خيار أمامه سوى تأدية واجبه.
هذا الحديث، سوف لن يكون في حاجة إلى أي شرح إضافي لكي نتبين الحال المزري الذي يعيشه الجيش الأبيض اليوم، بينما هم يتقدمون الصفوف في مواجهة الوباء الخطير، ويقدمون الشهداء في هذا الميدان. لا ندري كيف سنطلب منهم الاستمرار في تقديم التضحيات، بينما نحن نبخل عليهم بالقليل!!
وفي الوقت الذي كان الجميع ينتظر إجراء رسميا، لم يتردد وزير الصحة الدكتور نذير عبيدات، عن توجيه رسالة إلى جميع الكوادر الصحيّة من أطباء وممرضين وصيادلة ومهنيين وإداريين وغيرهم ممن يعملون في المستشفيات، دعاهم فيها إلى الحفاظ على أنفسهم. وقال “سلامتكم من سلامة الوطن، وهي أولويتنا، نعلم مدى التحديات التي تواجهون، ونقدّر جهودكم، حافظوا على أنفسكم لأن وطنكم بحاجة لكم”.
حسنا، ماذا بعد هذا الشكر، وهل هذا كل ما يحتاجه هؤلاء الجنود؟! ربما يكون فهمنا قاصرا لدور وزارة الصحة تجاه كوادرها، وربما ليس في جعبتها شيء لتقدمه سوى الشكر وتمني السلامة للجميع. لننتظر ونترقب.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock