حياتناصحة وأسرة

“ألزهايمر”.. “تشويش” يتسارع في حياة المريض و”حزن” لا يغادر محبينه!

ديمة محبوبة

عمان – “ألزهايمر”.. ذلك المرض القاسي الذي لا يرحم أصحابه، إنما “يشوش” أفكارهم تماما، لتتساقط أوراق الذكريات للمريض، واحدة تلك الأخرى، ويبقى كشجرة معمرة، لكنها خاوية من محطات عديدة كانت تشكل مجرى الحياة لديه، ليسير في عالمه الخاص والذي يعتقد أنه الحقيقي، متفاجئا بردود فعل المحبين وأقرب الناس إليه.
ومرض ألزهايمر، يؤثر على خلايا الدماغ؛ حيث يتسبب بتلفها وموتها، إذ يعاني الأشخاص المصابون به من صعوبة في التفكير وتذكر الأشياء ومن تغيرات في سلوكهم أيضا، ويزيد خطر الإصابة مع التقدم بالعمر، وتعد النساء أكثر عرضة للإصابة به من الرجال، أو ممن لديهم تاريخ عائلي للمرض.
ولطالما تناولت السينما العالمية والعربية، هذا المرض ومدى تأثيره لمن يعايش المرضى كأبنائهم وأزواجهم والأصدقاء المقربين، لكن ما جاء به الفيلم البريطاني الفرنسي، “The father” (الأب) والذي قام بدوره البطولة الفنان العالمي (أنتوني هوبكنز)؛ عزز قسوة اللحظات التي يعيشها أشخاص يقعون تحت مرارة تجربة الخرف أو مرض ألزهايمر، عندما تشيخ هذه الذاكرة وتصبح عاجزة عن إغاثتهم، لفهم العالم وإدامة التواصل معه، وفي كل مرة تقوم بهذا الفعل تحدث انكسارا وانهيارا في العلاقات الإنسانية لهؤلاء المرضى مع أقرب الأشخاص إليهم، وتتأثر صلتهم مع ماضيهم وتنسل الأسماء والأحداث والأماكن من الذاكرة.
عند متابعة ما يدور في فيلم “الأب” تعجز العواطف على مواصلة ومواكبة ما يحدث مع المسن “أنتوني” الشخصية المرحة، ودور ابنته بتقديم المساعدة ومن حولها أيضا، لرعايته بناء على طلب ابنته، لكن تعود فجأة ذاكرته لتخونه وتجعل من حوله يدرك مدى سوء الحالة.
ينتهي الفيلم بعد أحداث كثيرة، لعب فيها شخصيات وأسماء وتواريخ تنم على حجم الضياع في ذاكرة “أنتوني” بمشهد يلخص حياة مرضى ألزهايمر عندما يستغنى عن بعضهم في دور العجزة من أقرب الناس إليهم، ويصبحون أطفالا يخفقون في التعبير عن ذاتهم وعما يدور في خلجاتهم، إذ تتفاقم حالة “انتوني” سوءا بعد أن تبدأ ذاكرته ترتكب الهفوات، فينسى مثلا أين وضع ساعته اليدوية، ويفشل في معرفة زوج ابنته آن، ويخفق في اتخاذ قرارات صائبة، لينهار بكاء على نفسه وعلى كل ما فاته وما يعيشه ولا يفهم منه شيئا.
وكما تتناول الدراسات الطبية، فإن أهم ما يحتاجه مريض ألزهايمر، هو توفير بيئة داعمة له؛ لمساعدته على القيام بمهامه اليومية ومتابعته باستمرار، كما يحتاج للدعم الاجتماعي كون حياته تتأثر بشكل كبير. الاهتمام الجيد بالمرضى على مدار اليوم قد يكون من التجارب الصعبة، لذلك فإن عائلته تحتاج أيضا الى دعم العائلة والأصدقاء لهم متى أمكن.
استشاري أمراض الدماغ والأعصاب د.سمير عبد الرحيم فرح، يؤكد أن مرض ألزهايمر، ما هو إلا معاناة حقيقية للشخص ذاته تحديدا في البدايات، ولمن حوله طوال الوقت، فأول ما يفقد في هذا المرض هو الذاكرة الحديثة، لكن في الحقيقة أول شيء يحدث بالفعل هو اختلاف في تصرفات المريض، لكن قليلا ما ينتبه أو يدرك من حوله هذه السلوكيات المختلفة، فما ينتبه له المقربون هو نسيان الشخص لما دار معه بشكل قريب أو أماكن الأشياء.
ووفق عبد الرحيم، هذا أمر مقلق في البداية لمن هم مقربون من المريض، لكن ما يحدث مع أهل المريض هو نسيان أن هذا الشخص العزيز ينسى فينصب كل اهتمامهم وتساؤلاتهم حول السلوكيات الغريبة التي تصدر عنه، وأحيانا العدوانية، وخصوصا الرجال المرضى، وطريقتهم بالتعبير أحيانا بالضرب والتهديد، وهو سلوك غير إرادي، فهم يشعرون بالقلق وعدم فهم لما يدور حولهم ويشعرون بالخطر لأنهم لا يشعرون بالراحة، فردود فعلهم طبيعية لهم، لكنها محزنة وثقيلة ومحرجة في بعض الأوقات ومتعبة دائما للأشخاص المقربين منهم.
ويشير عبدالرحيم إلى أن ما يحدث مع مريض ألزهايمر بداية هو نسيان الأشخاص وصفتهم وأسمائهم، وكل ما يدركه أن هذا الشخص هو مريح له أم لا.
التطور المرضي للمرضى، بحسب عبد الرحيم، لا يكون على التسارع ذاته، فكل شخص يفقد من ذاكرته جزءا، أحيانا الأماكن وأحيانا أخرى طباعهم وشخصياتهم، ويحتفظون بجزء آخر، لكن في نهايات المرض ومع تطور الحالة إلى حدها الأعلى، ينسى الشخص كل شيء تعلمه في حياته حتى كيف كان يأكل أو يشرب أو حتى يمشي ليكون شخصا عاجزا كما ولد في أيامه الأولى.
أما أنواع الأدوية التي تعطى لمرضى ألزهايمر فهي نوعان؛ الأول يعطى في بداية المرض لسنوات عدة بجرعات بسيطة منها ما يعمل على تحسين الذاكرة وما هي إلا أدوية مؤقتة، لا مفعول كبيرا لها، ولا مفعول لها على المدى البعيد. وهنالك أدوية مهدئة، تساعد على النوم والهدوء للتخفيف من حالات الخطر التي من الممكن أن يقوم بها المريض، وليساعد أهل بيته على العيش والقيام بواجباتهم تجاهه.
ويؤكد عبد الرحيم أن مصاب ألزهايمر ما ينساه يكون في الذاكرة الحديثة، حيث يعود إلى الوراء، لكن لا ينسى اسمه أو حياته الأولى في بدايات المرض.
اختصاصي علم النفس د.موسى مطارنة، يؤكد أن الحالة النفسية التي يمر بها الشخص المريض بألزهايمر تزداد في البداية، ويتضاعف الشعور بالتوتر والقلق، عندما يبدأ بالنسيان، وتختلف تصرفاته، ويرى ردود فعل المحبين والمقربين مستهجنة لما يفعل، ومحاولتهم دائما لردعه عن بعض الأعمال أو تصحيح كلام هو لا يتذكر منه شيئا أو التحدث معه عن مواقف حدثت لا يعرفها.
لكن التوتر فيما بعد والقلق والخوف تزداد في الكثير من الأحيان، فهو كشخص يعيش في عالم غريب عنه لا يعرف تفاصيله لا من أشخاص ولا من أحداث ولا أماكن، ويشعر أن كل من حوله غريب.
ويتفق مطارنة مع كلام الدكتور عبد الرحيم فرح، بأن هذا المرض لا يمكن وصفه بالبسيط أو يمكن التعايش معه، لأن أعراضه وتداعياته كبيرة، وأثرها الحقيقي على من يعيشون ويرعون الشخص المريض، ومتابعي ردود فعله القوية، والتعامل بعدائية في بعض الأحيان، وما يرافق ذلك من نسيان حياة كاملة، ما قد يسبب جرحا حقيقيا في حياة محبيه، وغياب القدرة على التعامل الصحيح والسليم معه.
ويبقى الأشخاص الذين يعانون من مرض ألزهايمر، وفق مقالات طبية، يعانون الصعوبة في تذكر المعلومات الجديدة ويشعرون بالتشوش، كما أنهم يعانون أيضا من صعوبة في أداء أعمالهم اليومية التي كانوا يقومون بها بكل سهولة في السابق.
ما يزال غير واضح ما إذا كان من الممكن الوقاية من مرض ألزهايمر، إلا أن اتباع أسلوب حياة صحي والانخراط المستمر في تمارين محفزة للدماغ والأنشطة الاجتماعية قد يسهم في الوقاية من المرض، لكن الأبحاث لم تثبت ذلك بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock