أفكار ومواقف

ألعاب غير كمبيوترية تناسب الطقس

تُلمح النشرة الجوية إلى إمكانية التزامنا البيوت لعدة أيام. وربما يكون في ذلك توفير للطاقة، بتوقف محركات أكثر من مليون مركبة لعدة أيام، مع الخوف من احتمال انقطاع الكهرباء، وإمكانية تسرب الملل إلى نفوسنا.
إلى جانب برامج التغذية وصناعة الحلويات وطقوس إعداد الأطباق الشتوية، فإن القراءة بديل جيد. والألعاب التقليدية التي كنا نلعبها ونحن صغار، يمكن أن تكون مفيدة أيضاً؛ “الشحيحيطة” واحدة منها، شريطة أن تتوفر علب كبريت مستطيلة، والتي يكون لها أربع قراءات بعد أن يتم قذفها على سطح مستو. فالخيارات هي أن تكون ملكا، أو وزيرا، أو عاشقا، أو حمارا. واحتمالية أن يكون حظك “عاشقا” أو “حمارا” أعلى بكثير، خصوصا إذا كانت علبة الكبريت قد تشربت بعض الرطوبة أو من نوعية ورقية معينة.
اللعبة ممتعة للأطفال، وتمزج بين فكرة الحظ والأمل والفهلوة والضحك، وإصرار البعض على الانتقال من العشق إلى الوزارة. وهي تدريب على تقبل القضاء والقدر. ولا تخلو اللعبة من الإثارة والتقاطعات المسلية. وفي سرعة إيقاع اللعب فرص للجميع للتعبير وتبادل الأدوار، والتوعد والتشفي والزهو، وصحة الحدس أحيانا.
من الألعاب الأخرى، “الفنيجيلة”، والقائمة على إحضار صينية وعدد من الفناجين الفضية أو النحاسية، ووضع خاتم تحت أحد الفناجين وتحريكها بخفة، ثم الطلب إلى الخصم تحديد الفنجان الذي أخفي تحته الخاتم. والمتعة في تفنن الفريق الأول في إخفاء الخاتم، واستخدام كل خدعة بصرية ممكنة لتضليل الخصم. وعلى الطرف الآخر، يراقب الفريق المعني بالبحث سلوك وتعابير ونمط تفكير الفريق الأول، لاستكشاف المنهج المتبع في الإخفاء والتحريك. وفي اللعبة الكثير من الاستقراء والاستنباط والتفهم. براعة الفريق الأول في أن يضلل الثاني، ويقاس النجاح بعدد الفناجين التي يتم رفعها قبل العثور على الخاتم.
“الشدة” لعبة مسلية للغاية، فيها تدريب على أهمية العمل الجماعي. فكل “كرت” له أهمية مهما صغرت قيمة الرقم الذي يحمله. فـ”الدو” أو “التريس” قد يكونان أهم من العشرة، وعليهما يتوقف الفوز. لكن المشكلة في لعب “الشدة” أنك لا ترى إلا نفس الأرقام والوجوه، ولا ترى أفقا خارج الطاولة. والأسوأ من ذلك هو أن تستمر باللعب بنفس الحماس بلا كلل أو ملل.
القصص والروايات و”التنكيت” بديل مناسب، شريطة أن لا يكون موضوع “التنكيت” شخوص المتواجدين، لأن في ذلك تجريح محتمل، وامتهان لكرامة الآخرين، قد يحولان الجو من المتعة إلى الإيذاء.
“الحاكم والجلاد والحرامي” لعبة أخرى لا تخلو من العنف؛ ففيها تدريب على العقوبة، وتأكيد على توزيع الأدوار، وتذكير بالقيم التي قد ينساها الناس من فرط انشغالهم. فأحيانا، تغري سلطة الحكم الحاكم فيستجيب لأفعال اللصوص استجابة مبالغا فيها، وتتفتح شهية الجلاد ليترجم أمر الحاكم بالعقوبة، بضرب اللص بالطرف المعدني للحزام الذي يستخدم كأداة لتنفيذ أحكام الحاكم الذي يستخدم عوضا عن السوط.
على الجميع أن لا ينغمسوا في الدور كثيرا، ويدركوا أنها مجرد لعبة شتوية تنتهي برحيل “هدى” وذوبان الثلج، وفتح الطرق المغلقة.
كثير من أطفال اليوم لا يعرفون هذه الألعاب التي استهلكت ليالي وأيام طفولتنا، عندما كان يشتد الشتاء أو يمنع التجول.
على كل الأحوال، في العالم الافتراضي كل الأشياء والتفاعلات والتصريحات افتراصية، مثل الألعاب الشتوية؛ فالحكمة افتراضية، وكذلك الصداقة والإعجاب. وحتى التعبيرات التي ندونها على جدران صفحاتنا لا تعدو كونها مواقف افتراضية، في عالم يخيل لنا أنه حقيقي، فنستطرد ظنا منا أن هناك جمهورا يؤيد ويعارض.
في الألعاب الشتوية أصوات وضجيج وجلجلة وضحك، ولسعة الجلاد التي تأتي بأمر الحاكم لتذكيرنا بأن اللصوص لا يفلتون من العقاب. وإن وجوه وانفعالات الأصدقاء والجلساء تأكيد بأننا خارج العالم الافتراضي. لكننا في أجواء اللهو واللعب التي غالبا ما تتوقف حالما تمر العاصفة وينتهي الانجماد الناجم عن أصولها القطبية، لا نلعب بل نتعلم باللعب، ونعد أنفسنا للحياة ومفاجآتها. وبعض المهارات التي نكتسبها قد تفيد، فنستخدمها في منفعة البلاد والعباد.
في ليالي البرد والشتاء متسع لسرد كل الحكايات الجميلة المؤنسة؛ عن الأميرات اللواتي أحببن الفرسان، والحطابين الذين عثروا على الكنوز، والأرانب التي خدعت الأسود… كما أن في هذه الليالي فسحة لخلوة بعيدة عن روتين المهام التي تستولي على وقتنا، لنرى بوضوح وروية ما الذي كان بوسعنا أن نقوم به غير الذي يشغلنا.
أخيرا، لا يسعنا إلا أن نرحب بـ”هدى”، ونتمنى لها طيب الملفى وسلاسة الرحيل.

*وزير سابق

تعليق واحد

  1. الثلج فرصة
    هذه الاجواء فرصة لان يتعرف افراد الاسرة على بعضهم بعد البعد والجفاء الذي سببته تكنولوجيا التواصل الرقمي او بالاحرى التواصل الوهمي

  2. الافلام الهندية …
    وايضا الافلام الهندية وسيلة اخرى للتسلية وقضاء الاوقات المفيدة بأمور لا تنفع …
    الاغراق في الخيال والبعد عن الواقع والسذاجة والسطحيّة في التفكير اصبحت من اهم وسائل وطرق الراحة والتسليّة في هذا الزمان …
    بعض الالعاب تكاد ان تكون مقامرة وتعتمد على الحظ وبعضها بقليل من الخداع والمهارة والغش يمكن ان تنتصر فيها ، ولكنها في النهاية تبقى العاب ومقامرة وتسلية …
    يبدو لى ان الحياة – كلها – الان اصبحت لعبة كبيرة ومسرحية هزلية وتحتاج الى نفس اساليب وقواع اللعب …

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock