أفكار ومواقف

ألغاز التسعير في الأردن

تقع الحكومة من جديد في فخ تلغيز التسعير، فبعد المعادلات المعقدة وغير المفهومة التي تتم وفقها عمليات تسعير المحروقات والكهرباء، إلى جانب حالة التيه في التعامل مع أسعار الخضار والفواكه، تطفو على السطح معادلة جديدة أكثر تعقيدا تتمثل في معايير وآليات تحديد أسعار الأدوية.
ورغم المحاولات المضنية في شرح آليات تسعير المحروقات والكهرباء بهدف إقناع الناس بعدالتها وأنها لا تعكس مفهوم الجباية، إلا أن الحكومات المتعاقبة فشلت فشلا ذريعا في هذا الأمر، وما يزال المواطن عرضة لعمليات “فتك” جماعية تأتي على مدخوله الشهري من دون أن يتمكن من فهم كيف يحدث ذلك!!
تخبطات كثيرة تقع فيها الحكومة باستمرار، مثل التعامل مع أسعار الخضروات التي تورد من المزارع للسوق المركزي، لتقع لاحقا بين براثن مافيات عمالية أغلبها وافدة، ولكن ذلك لا يقارن بـ”الجريمة الكبرى” التي تقترف بحق الأردنيين، والتي تتمثل في آلية احتساب السعر النهائي لتسعيرة الأدوية، والتي أدت إلى أن يؤكد وزير الصحة الدكتور سعد جابر أن ارتفاع أسعار الأدوية في الأردن غير مبرر، وأنه كان ينصح مرضاه بشراء الدواء من سورية!
هذا التصريح، ومن مسؤول كبير مثل وزير الصحة، يعني اعترافا ضمنيا أن هناك تغولا أزليا على المواطنين، وبلا رحمة ولا رأفة، تتحمل مسؤوليته الحكومة التي لم تكلف نفسها عناء فتح هذا الملف وعمل مراجعة كاملة لجميع تفاصيله، وأن تحقق المعادلة التي تستطيع من خلالها حماية الصناعة الدوائية المحلية، وأيضا حماية جيب المواطن. لكن الحكومة لا تلقي بالا لهذا الأمر، وتترك المواطن يقف وحيدا في مواجهته، ما يؤدي إلى استنزاف أمواله، فحتى اليوم تتعامل مع المواطن باعتباره الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، وترى أنها تستطيع أن تفرض عليه ما تريد!
العامل المشترك بين هذه الملفات الأربعة: المحروقات، الكهرباء، الخضار، الأدوية، هو أنها تشكل نسبة استهلاكية كبيرة جدا للناس، والإنفاق المالي عليها كبير أيضا، وبالتالي فإن تركها على ما هي عليه اليوم من فوضى وإبهام، يساهم إلى درجة لا توصف في تضييق الخناق المعيشي والاقتصادي على المواطنين، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جادة تجاه معرفة لماذا يحدث كل هذا في دولة مؤسسات مثل الأردن، ومن هو المستفيد من وراء فرض التعمية والتلغيز والإبهام على تسعيرة هذه الأمور الاساسية، ولماذا سيطر السكوت والصمت لسنوات طويلة على الأطراف المعنية بإيجاد حلول لها؟
التعامل مع هذه الملفات الشائكة يجب أن يكون بحجم تأثيرها، ويأتي ذلك من خلال وضعها على طاولة البحث في الحال، لوضع تصورات عادلة لأسعارها. أما الهروب من المسؤولية وعدم العمل على حلها بشكل جدي، وعدم اعتبار فك طلاسمها أولوية وطنية عليا، فهو بمثابة هزيمة كبيرة للحكومة أمام أصحاب المنافع المختبئين خلف ستار المصالح الربحية على حساب المواطن، والذين يشكلون لوبيات ضغط نجحت حتى اليوم في امتصاص دم الناس من دون أن يجدوا جهة توقف تغولهم.
تصريحات وزير الصحة تجاه ملف الأدوية تتطلب منه أن يدخل معركة لا بد وأن تنتهي بإعادة النظر بالأسعار التي يصفها بأنها غير مبررة، إلى جانب مراجعة حساباته بشأن نصائحه التي كان يقدمها للمواطنين بشراء الدواء من الخارج، وذلك عبر الضغط باتجاه توفيره في الأردن بأسعار معقولة ومنطقية!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock