تحليل إقتصادي

أمام أوروبا شهر واحد.. فهل تنجح بما عجزت عنه في أربع سنوات؟

بقلم إبراهيم شكري دبدوب*

الكويت – بالفعل، لم تدم فترة النقاهة طويلا في أوروبا، ورغم الإجراءات الأخيرة والحزمة المالية الثانية لدعم اليونان، عادت الأمور لتزداد سوءا، ليس فقط من حيث المؤشرات المالية والاقتصادية، بل من حيث التباعد في الآراء بين الدول الأعضاء.
أخطر ما في الأمر أن زعماء أوروبا يبتعدون عن الواقعية كلما داهمهم الوقت. في الواقع، قد لا يكون أمام أوروبا أكثر من شهر واحد لتقرير مصير اتحاد برمته.
لم يكن مفاجئا أن تشهد الدول الأوروبية تغيرات على المستوى السياسي، وحدها ميركل حافظت على موقعها، وأيضا على موقفها من الأزمة الأوروبية والحلول المقترحة.
لقد تبدلت الوجوه السياسية في أوروبا بفعل الوعود- أو الأحلام- التي قطعها المنتخبون على ناخبيهم، وبات من الواضح أن الزعماء لا يملكون غير الوعود لتقديمها في هذا الوقت الضائع.
في فرنسا، اختار الناخبون هولاند على أمل أن يتمكن من إنعاش الاقتصاد الفرنسي والتخفيف من حدة خطط التقشف التي اتفق عليها سلفه ساركوزي مع ميركل، لقد وعد هولاند بتحفيز النمو وخفض معدلات البطالة، كما وعد بحماية الأسر الفرنسية من تداعيات الأزمة، لكن تمسك ميركل بشروطها يحد من قدرة هولاند على تقديم الشيء الكثير لناخبيه.
في إيطاليا، يدرك مونتي صعوبة اتخاذ القرارات الحاسمة التي تؤثر على حياة الآلاف من الإيطاليين، سيما بعدما أظهر الناخبون رفضهم لخطط التقشف في الانتخابات المحلية الأخيرة، وهناك نوع من الاقتناع العام بأن البلاد قد تنجو من أزمتها من خلال حكومة التكنوقراط، وهذا لا شك أمر غير واقعي.
وفي اليونان، ستجرى انتخابات مفصلية بعدما فشلت القيادات السياسية في تأليف الحكومة. وإذا ما رفض اليونانيون خطة التقشف والشروط الموضوعة لإنقاذ بلادهم، فستجد ميركل نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما التغاضي عن موقفها ومساعدة اليونان، أو السماح لليونان بالإفلاس والخروج من الاتحاد الأوروبي.
لا شك أن اليونان في وضع حرج جدا. فمنذ العام 2007، انكمش الاقتصاد اليوناني بنحو 20 %، ومازال ينتظره المزيد من التقشف والضرائب. وفي أحسن الأحوال، لن تقل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عن 160 % في العام المقبل. وبالتالي، مهما اتخذت الحكومة المقبلة من إجراءات وسياسات مالية واقتصادية، فإن المديونية اليونانية ستبقى مرتفعة جدا بشكل يفوق قدرة البلاد على إدارتها. وأي كلام غير ذلك لا يتعدى الآمال والطموح.
إذا، هل من الأفضل لليونان أن تعلن إفلاسها؟ في الواقع، من شأن إفلاس اليونان أن يساعدها على تخفيف مديونيتها وإعادة بناء تنافسية اقتصادها. لكن خروجها من الاتحاد الأوروبي في هذا الوقت بالذات قد يهدد الاتحاد برمته، لاسيما في ظل الانقسام القائم بين فرنسا الحالية وألمانيا. ورغم أن كمّا كبيرا من النقاش والتنسيق بين ساركوزي وميركل في السابق قد تركز على كيفية منع انتقال العدوى إلى الدول الأخرى في حال أعلنت اليونان إفلاسها، إلا أن شظايا إفلاس اليونان قد تصيب اليوم حتى الرئيس الأميركي في حملته الانتخابية، لما سيكون لذلك من تداعيات ليس فقط على الاقتصاد الأوروبي، وإنما على الاقتصاد العالمي الذي لم يخرج من كبوته بعد.
وبالتالي، قد يكون من الأفضل بالنسبة لألمانيا أن تمنع اليونان من الإفلاس، لكن عليها أن تدرك أولا أن الدول المأزومة لن تستطيع أن تدبر أمرها لوحدها. كما أن التوجه نحو تحفيز النمو الاقتصادي في أوروبا- على حساب التقشف- من شأنه أن ينعكس إيجابا على الاقتصاد الألماني، من دون ذكر تجنب التداعيات التدميرية للخيار الآخر.
ومن هذا المنطلق، وقد يكون على ألمانيا أن تبدأ بتعزيز الاستهلاك المحلي لديها، وأن تتأقلم مع مستويات أعلى من التضخم.
هناك مقولة شائعة في أوروبا اليوم تقول أن اليورو بحاجة إلى إصلاح في فرنسا، وبذخ في ألمانيا ونضوج سياسي في إيطاليا: أي تماما الخيار الذي تبتعد عنه كل دولة من هذه الدول. وهذا صحيح في رأي. ففي المدى القصير، قد يتمثل الحل في أوروبا بتخفيف حدة خطط التقشف، وزيادة الاستثمار، والمضي قدما في السياسات النقدية التوسعية، والعمل على بناء درع وقائية لمنع انتقال العدوى من دول إلى أخرى، على الرغم من أن ألمانيا تدفع بالاتجاه الآخر. وفي المدى المتوسط، لا بديل عن تبني إصلاحات مالية واقتصادية، وخصوصا في الأنظمة الاجتماعية.
تبدو هذه الأجندة طويلة وصعبة التحقيق، لكنها قد تشكل نقطة التقاء لمختلف التوجهات المتباعدة بين الدول الأوروبية، ولاسيما بين فرنسا الحالية وألمانيا. لكن كلما اقتربت الاستحقاقات، ابتعد القادة عن واقعيتهم. قد لا يكون أمام أوروبا أكثر من شهر واحد قبل الانتخابات اليونانية ليس لتحديد مصير اليونان فقط، بل حتى لإنقاذ وحدتهم. فهل تستطيع أوروبا خلال شهر واحد فعل ما عجزت عنه في أربع سنوات؟

* الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني

مقالات ذات صلة

السوق مفتوح المؤشر 1571.07 0.27%

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock