ترجمات

أمام أوروبا طريق طويل لتقطعه بشأن التعويضات وإصلاح مظالم الاستعمار

رقية ديالو* – (واشنطن بوست) 21/7/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في حزيران (يونيو)، قدمت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشليت، تذكيرًا بأن “العنصرية المنهجية تحتاج إلى استجابة منهجية”. ودعت إلى التفكيك الفوري للعنصرية المنهجية التي يواجهها السود في جميع أنحاء العالم، وتفعيل أجندة من أربع نقاط لإحداث هذا التحول.
بعد أكثر من عام بقليل فقط على مقتل جورج فلويد، نوقش التقرير على نطاق واسع. لكن ثمة جانباً رئيسياً لم يكن مرئيًا في الخطاب العام كما كان ينبغي أن يكون. ومن بين النقاط الأخرى، يوصي التقرير بضرورة دفع تعويضات عن المظالم الاستعمارية.
وهذا يطرح سؤالا مهما على الدول الأوروبية التي استفادت بشكل كبير من الثروة المسروقة في الحقبة الاستعمارية. وفي حين أن العديد منها تتخذ خطوات أولية لإعادة بعض ما تم الاستيلاء عليه إلى بلدانه الأصلية، ما يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به في هذا الإطار.
اتخذت الكثير من الثروة المعنيَّة شكل القطع الفنية والتحف المسروقة. ووفقًا لتقرير فرنسي صاغه فيلوين سار وبنيديكت سافوي في العام 2018، فإن أكثر من 90 في المائة من أبرز القطع الفنية لمنطقة جنوب الصحراء الأفريقية موجودة حاليًا خارج القارة. وقد بنت العديد من المتاحف الأوروبية هيبتها ومكانتها من خلال عرض الأعمال التي استحوذت عليها خلال الحقبة الاستعمارية من ما تسمى بالبعثات الإثنوغرافية، التي كانت في الواقع ذريعة للاستيلاء.
حتى تتمكن فرنسا من إبقاء مثل هذه القطع الفنية على الأراضي الفرنسية، قامت بدمجها في ما يُسمى المُلك العام لأصول الدولة، ما يجعلها غير قابلة للحيازة ولا التحويل. وحث تقرير سار سافوي الدولة الفرنسية على إعادة القطع المنهوبة إلى بلدانها الأصلية. ومع الضغوط التي مارستها الدول الأفريقية، كان على فرنسا أن تعترف بالظلم، وأن تمرر قانوناً في كانون الأول (ديسمبر) 2020 يقضي بإعادة السلع الثقافية إلى دولتي بنين والسنغال.
كانت القطعة الأولى التي تمت استعادتها عبارة عن سيف يُعتقد أنه كان مُلكاً للزعيم السياسي الحاج عمر تال، الذي مُنح للسنغال لمدة خمسة أعوام، لكنه ما يزال ينتمي إلى “المُلك العام” الفرنسي. كما أعيد إلى مدغشقر تاج الملكة رانافالونا الثالثة، وهو أحد أثمن رموز “الفخر الوطني” في مدغشقر، وفقًا لوزيرة الثقافة في مدغشقر لالاتيانا أندرياتونغاريفو راكوتوندرازافي. وعلاوة على ذلك، من المقرر إتاحة 26 قطعة معروفة باسم “كنز بيهانزين” التي تم الاحتفاظ بها في متحف كواي برانلي جاك شيراك، لشعب بنين وإعادتها إلى ذلك البلد. ولكن، بالنظر إلى أن المتحف يمتلك ما لا يقل عن 45.000 قطعة فنية مسروقة خلال الحقبة الاستعمارية، وفقًا لتقرير سار سافوي، فإن هذا لا يبدو وكأنه ثورة حقيقية.
قبل إصدار التقرير، في العام 2017، كان الرئيس إيمانويل ماكرون قد التزم بإعادة عشرات الآلاف من القطع الثقافية إلى بلدانها الأصلية في غضون خمسة أعوام. ولكن، لم يتم عمل ما يكفي بهذا الخصوص منذ ذلك الحين. وفي غضون ذلك، كانت المحادثات حول دفع تعويضات في أماكن أخرى نادرة حتى الآن في الخطاب السياسي الفرنسي.
ومع ذلك، فإن هذا النقاش لا يدور في فرنسا وحدها ولا حول الكنوز المنهوبة فحسب. هناك التعويضات التي تأتي أيضًا مع الاعتراف بالأضرار التي سببتها الحروب الاستعمارية والعنف للدول المستعمَرة. والآن، بعد مرور أكثر من قرن على الإبادة الجماعية المروعة التي ارتكبت في ناميبيا والتي قتلت 80 في المائة من السكان الهريرو و50 في المائة من الناما، بدأت ألمانيا مناقشة مع الحكومة الناميبية في العام 2015 من أجل “تضميد الجراح” التي نجمت عن القسوة التاريخية.
واستغرق الأمر ستة أعوام للتوصل إلى اتفاق، والذي لم تعتذر فيه ألمانيا عن أعمالها السابقة فحسب، وإنما تعهدت أيضًا بدفع 1.1 مليار يورو (حوالي 1.3 مليار دولار) من المساعدات الخاصة التي ستُمنح لناميبيا على مدى 30 عامًا. وعلى الرغم من هذه الخطوة الهائلة التي اتُّخِذت في جزء كبير منها بفضل أعوام من النشاط الذي قامت به منظمات الناميبيين والألمان السود، فشل الإعلان في ذكر “التعويضات”، وتجنبت ألمانيا أي مناقشة مباشرة مع الهيرو والناما. وكانت هذه “إهانة”، بحسب البرلمانية الناميبية، إينا هنغاري.
كما تواجه بريطانيا أيضًا مشكلة في الاعتراف بانتزاع ملكية القطع الأثرية المسروقة، من بين دعوات أخرى لتقديم تعويضات عن الأخطاء التاريخية. وقد تم، على مدى عقود، تجاهل دعوات السلطات المصرية لاستعادة حجر رشيد، إحدى أكثر القطع الأثرية زيارة في المتحف البريطاني. كما تخطط جامايكا، وهي مستعمرة بريطانية سابقة كان يعيش فيها 600 ألف مستعبد، لتقديم التماس إلى الملكة إليزابيث الثانية للحصول على تعويضات بمليارات الجنيهات. لكن “لجنة الكومنولث لمقابر الحرب” اعتذرت علنًا عن فشلها في تكريم الجنود من المستعمرات السابقة (معظمهم من أفريقيا والشرق الأوسط) بسبب “العنصرية المتفشية”، وأحيت أخيرًا ذكرى تضحياتهم غير المعلنة -وهي خطوة أولية في الاتجاه الصحيح.
لقد قطعت أوروبا شوطًا طويلاً في اتجاه الاعتراف بدورها العنيف والمدمّر في المستعمرات السابقة والعواقب التي ترتبت على ذلك وما تزال مستمرة. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات الصغيرة بعيدة كل البعد عن تقديم العدالة لأولئك الذين ما يزالون محرومين من ممتلكاتهم ومن فصول كاملة من تاريخهم. والسؤال المطروح الآن على أوروبا هو: هل ستستمر في متابعة هذا المسار لتقديم تعويضات أكثر اكتمالاً؟

*Rokhaya Diallo: كاتبة مساهمة في قسم الآراء العالمية في صحيفة “الواشنطن بوست”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Europe has a long way to go on reparations and making amends for colonialism

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock