أفكار ومواقف

أمام الاحتمالات الأخطر…؟

إريك ليبتون، صحافيّ في “نيويورك تايمز”، كتب، في جريدته، قبل يومين، قطعة لم تحظ بما تستحقّ من أهميّة. فإدارة جورج دبليو بوش، بحسبه، تدفع في اتّجاه توسيع صفقات بيع السلاح، على نحو أو آخر. ومن خلال “إعادة تسليح العراق وأفغانستان” أو تشجيع الجوار لكوريا الشماليّة وإيران على “احتوائهما”، أو “تصليب” الروابط والصلات مع بعض من كانوا سابقاً حلفاء لروسيا، سيرتفع بيع السلاح وملحقاته، بصورة أو أخرى، إلى 32 بليون دولار، بعدما كان الرقم، في 2005، 12 بليوناً فحسب.


ومن دون أن يكون هناك إريك ليبتون روسيّ يطلعنا عمّا يجري في بلاده، فإن موسكو تفعل شيئاً مماثلاً، بحيث تغدو حصّة بيع السلاح في مداخيل الدولة الروسيّة بنداً يتعاظم التعويل عليه.


المعطيات هذه تقدّم، من موقع آخر، مساهمتها في السجال الدائر حاليّاً، على نطاق كونيّ، في ما خصّ “عودة” الحرب الباردة، أو عدم عودتها، وما إذا كانت المواجهة الجديدة إقليميّة الطابع أم عالميّته، والأشكال التي قد تتّخذها المواجهة المذكورة، وأحياناً نوع الأسلحة التي تُستخدَم، وقد تُستخدَم، فيها.


والحال أن الكون كلّه، ولو بقدر كبير من التفاوت، يتحوّل مسرحاً للمنازعة:


فهناك، أوّلاً، “الحرب على الإرهاب” الذي يضع “الغرب” والعالم الإسلاميّ في خانة الصراع الكبير المتشعّب والملتوي الذي يعني المجتمعات بقدر ما يعني الأنظمة. والدائرة هذه تتّسع لأسئلة عدّة سياسيّة واستراتيجيّة ومفهوميّة أيضاً: فهل الحرب في العراق، المتناسلة حروباً، هي جزء من “الحرب على الإرهاب” ام أنها مستقلّة بذاتها؟ وهل يحمل الأفق الباكستانيّ احتمالات حرب قد تكون أسوأ من سابقاتها؟ وهل بدأت مواجهة أفغانستان تتغلّب على مواجهة العراق، خصوصاً وقد أعلن الرئيس بوش تحويل قوّات من الثانية إلى الأولى.


وهناك روسيا، لا سيّما بعد حربها مع جورجيا في ظلّ نزاع الأخيرة مع أوسيتيا الجنوبيّة. وهو مجال نزاعيّ مفتوح بدوره لا يخلو من الأسئلة والتداعيات التي ربّما طال أكبرها احتمال “تحالف” روسيّ – صينيّ “لمواجهة الغرب”، والأشكال التي قد يتّخذها التعاون الأطلسيّ، الأميركيّ – الأوروبيّ، في مواجهة احتمال كهذا، وما إذا كانت الصيغ التي عرفتها الحرب الباردة السابقة، وأهمّها حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)، صالحة للمواجهة الجديدة؟


ثمّ هناك الشرق الأوسط كمسرح متعدّد العناوين وإن تقاطعت وتداخلت: فإلى استمرار المشكلة الفلسطينيّة، يقف التحدّي النوويّ الإيرانيّ، وإمكان اندراج سوريّة في المنافسة الأميركيّة – الروسيّة، لا سيّما بعد الكلام على إعادة تأهيل مرفأ طرطوس من قبل الروس.


وأخيراً، هناك الفيض الذي يتركه التوتّر على بضعة بؤر في العالم، أو الفيض المقابل لتلك البؤر على التوتّر المركزيّ إن صحّ التعبير. فقبل أن تنجلي آفاق الوضع الكوريّ الشماليّ، حيث لم يتمّ كليّاً إبرام صفقة نزع التسلّح النوويّ، هناك الآفاق الملبّدة التي قد تصدر عن أيّة وفاة مفاجئة لكيم جونغ إيل. وفي مكان آخر من المعمورة، تأتي الحرب الكلاميّة المرتفعة النبرة، المصحوبة بسحب السفراء، ما بين الولايات المتّحدة وكلّ من فنزويلا وبوليفيا، لتشير إلى خصوبة نزاعيّة في أميركا الوسطى والجنوبيّة وعليها.


صحيح أن هذا كلّه لا يكفي للجزم بعودة الحرب الباردة، كما لا يكفي للجزم بطابعها الكونيّ. ذاك أن النزاعات المتناثرة لم تنتظم في محور جامع، كما أن العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة للغرب، مع روسيا خصوصاً، ماتزال تقدّم للتحليل سيفاً ذا حدّين. وهذا جميعاً معطوفاً على الافتقار إلى الجذوة الإيديولوجيّة، لا سيّما في ما خصّ موسكو التي لم تعتنق بعد، ويصعب أن تعتنق، ما يعادل شيوعيّتها السابقة.


لكنّ الصحيح كذلك، وأرقام بيع الأسلحة سبب إضافيّ، أنّنا نعيش لحظة قد تتطوّر إلى حرب باردة مشوبة بحروب ساخنة، وأن ما قد نعيشه قد يعبر الإقليميّ إلى الكونيّ.


فنحن إذن نعاين لحظة وسيطة تقع في مكان ما بين الأمرين. وهذا خطير بما فيه الكفاية على العالم بأسره، إلاّ أن خطره وبشاعته قد يبلغان الذروة في ربوعنا حيث تتعايش الاحتمالات النوويّة مع تفتّت اجتماعيّ ينقل كلّ صراع سياسيّ إلى مجابهة بين الجماعات الكثيرة والمتناسلة.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock