أفكار ومواقف

أما آن للأجور أن ترتفع؟

رغم كل التقدير لصعوبة الظروف وأوضاع القطاع الخاص الأردني وارتفاع كلف الإنتاج عليه في ظل ما يلقى على كاهله من أعباء ضريبية ورسوم ورفع أسعار طاقة وكهرباء وتأثره بالتراجع الكبير في القدرات الشرائية للمواطنين، فإن استحقاق رفع الحد الأدنى للأجور بات ملحا وضروريا، لمواجهة الانحدار المتواصل بالأوضاع المعيشية والاقتصادية لشرائح واسعة من المجتمع الأردني.
نستذكر هنا؛ إعاقة القطاع الخاص قبل أشهر، وتحديدا في نهاية تموز (يوليو) الماضي، لقرار رسمي كان تعتزم الإقدام عليه اللجنة الثلاثية والحكومة برفع الحد الأدنى للأجور، كانت التقديرات تشير إلى أنه سيكون من 220 دينارا هو الحد الأدنى حاليا إلى 250 أو 260 دينارا، قبل أن تتراجع الحكومة عن الرفع، أمام تحفظات واعتراضات القطاع الخاص، ونظرا لما يعانيه هذا القطاع من أوضاع قاسية وعدم قدرته على مجاراة ارتفاع كلف الإنتاج وسيل الضرائب والرسوم وتراجع حجم المبيعات لانخفاض القدرات الشرائية وصعوبة المنافسة بالأسواق الخارجية.
اليوم؛ ونحن نكاد نجمع، حكومة ونوابا ومواطنين، على وصول التردي المعيشي وتآكل الدخول والبطالة والتشوهات الهيكلية بسوق العمل إلى درجات مقلقة اجتماعيا وأمنيا وسياسيا، فإن أحد جوانب معالجة هذه الأزمة المستفحلة يجب أن يكون المبادرة ودون تردد لرفع الحد الأدنى للأجور، إلى 250 أو 260 دينارا، خاصة وأن تغيرات معيشية واقتصادية كبيرة شهدها الأردن منذ آخر تعديل للحد الأدنى للأجور بالربع الأول من العام 2017، عندما تم رفعه من 180 إلى 220 دينارا.
الفاعليات النقابية والعمالية والشعبية والنيابية تطالب بمثل هذا الرفع، وبضرورته بهذا الوقت. وحسب دراسة حديثة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني فإن عدد العمال والموظفين ممن سيستفيدون من هذا الرفع يصل إلى 85 ألف موظف من المشتركين بمؤسسة الضمان الاجتماعي (7.5 %)، وأيضا تتوقع دراسة المنتدى أن يؤدي رفع الحد الأدنى للأجور إلى زيادة نسبية في رواتب وأجور أولئك الذين يتقاضون أعلى من الحد الأدنى للأجور وكذلك من يتقاضون أقل من الحد الأدنى.
كما تشير الدراسة ذاتها إلى أن رفع الحد الأدنى للأجور يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي بالسوق المحلي. وهو يشجع على إقبال الشباب العاطل عن العمل على الالتحاق بالعمل بمهن ووظائف يعزفون عنها أساسا لانخفاض أجرها وتشهد عادة اقبالا من العمالة الوافدة.
رفع الحد الأدنى للأجور يساهم أيضا بضخ المزيد من النقد بحركة الأسواق ويزيد نسبيا من القدرات الشرائية لشرائح مجتمعية ما يسهم بانعاش الأسواق ويعود على مؤسساتها بالأرباح. كما أن تحسين أوضاع العمال ورفع أجورهم يصب بالمحصلة بتحقيق الأمن الاجتماعي والسياسي، ما ينعكس على الجميع بايجابياته.
تبقى المعضلة الرئيسية أمام القطاع الخاص، أو بالأحرى أمام نسبة كبيرة من مؤسساته الخدمية والتجارية والصناعية هي في ارتفاع كلف الانتاج وأعبائه وصعوبة إضافة عبء جديد بزيادة موازنة الرواتب والأجور، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها هذا القطاع حاليا.
لا أعتقد أن مثل هذه الصعوبة والمعضلة يجب أن تقف أمام السعي للإيجابيات التي يحققها رفع الحد الأدنى للأجور، سواء بتحريك السوق أو التخفيف من البطالة بتوفير فرص عمل، وتحسين أوضاع شريحة واسعة من العمال وأسرهم ممن انحدرت مستوياتهم المعيشية إلى الأسفل كثيرا على سلم الفقر والحاجة.
وقد تكون الحكومة، هنا، مطالبة أيضا بتفكير ما بإجراءات وحوافز معينة تقدمها للقطاع الخاص ومؤسساته لتشجيعه على تقبل رفع الحد الأدنى للأجور والالتزام به.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock