حياتنافنون

أمسية موسيقية لـ “بيت الناي” تركز على إحياء الهوية الموسيقية الشعبية – فيديو

"الناي البلقاوي" يعزف ألحانه مستعيدا موسيقى الأرض وصوتها

إسراء الردايدة

عمان- في أمسية تحمل شجن القصب وأصالته المرتبطة بجذور الأرض، عاكسة الهوية الموسيقية الشعبية لساكنيها، قدم خمسة أطفال يافعين أداء باهرا، وهم يعزفون على آلة النفخ الوحيدة في الموسيقى العربية وهي “الناي”.
قدم اليافعون أمسية “بيت الناي” التي كانت ختام أيام مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي في السلط، من خلال سلسلة من المعزوفات المستمدة من الموروث الشعبي العربي، عكست تآلف وانسجام اعضاء الفرقة الواحدة بين يافعين وخبراء، بهدف تعزيز الموروث الموسيقي الشعبي عن طريق آلة الناي، وبذات الوقت تقديم المساحة لتعلم العزف على الآلة وإعادة إنتاجها وتصنعيها في عمان وغور المزرعة.
مؤسس “بيت الناي” ربيع زريقات قال في كلمته خلال الحفل، خصوصية هذا الحفل في تقديم موسيقى الأرض عبر آلة مميزة، صنعت من “قصيب” وادي شعيب، وهذا يسجل ولادة الناي “البلقاوي”، ويعيده لأرضه، خاصة أنه صنع محليا وبأيدي عازفيه.
وأضاف، الهوية الموسيقية الشعبية التي يمثلها الناي، ترتبط بالهوية والأرض والتراث، حيث كان الناس قديما يصنعون موسيقاهم بأيديهم، ويحكون من خلالها قصصا تتوارثها الأجيال، فهو ليس مجرد آلة للعزف، بل صوت الأرض والتاريخ، وهذه الموسيقى وإعادة احيائها تكسر قاعدة أن الموسيقى حصر بطبقة معينة، بل هي ملك للجميع.
ولفت زريقات إلى أن دافعه الكامن وراء السعي لأعادة إحياء هذا الموروث لم يكن سهلا، بل صاحبه تحديات منها قلة المصادر، وغياب معرفة الكثيرين بها، سيما جزئية كونها آلة محلية.
أما الأطفال الذين وقفوا أمام حشد جماهيري كبير في مسرح مؤسسة إعمار السلط فهم من اليافعين، وأعمارهم لم تتجاوز 14 عاما، لكنهم قدموا أداء استثنائيا بألحان شجية تعلموها على مدار تدريبات استغرقت 7 أشهر، وما زالت مستمرة كجزء من الشراكة بين “بيت الناي” ومؤسسة عبد الحميد شومان الداعمة لهم.
عفاف ذات 13 ربيعا هي الفتاة الوحيدة من بين العازفين من أقرانها من غور المزرعة، لفتت في حديث لـ “الغد” أن هذه الآلة مميزة، وعندما أمسكتها للمرة الأولى شدها ملمسها ولحنها، وبدعم وتشجيع والديها تابعت تدريباتها بشغف وهمة عاليين، بمرافقة أستاذ الموسيقى ليث سليمان المتخصص بآلة الناي.
والى جانبها آخرون منهم الطفل محمد خليل المغاصبة (13 عاما) الذي صنع نايا من البلاستيك في بداية التدريبات، وانطلق للعزف عليه قبل أن يزوده استاذه سليمان بناي حقيقي من القصب، فوقع في غرامه على حد قوله. ويضيف المغاصبة، إن عملية اصدار الصوت استغرقت اسبوعين قبل أن يبدأ بتعلم عزف أغان مثل “هلا بالضيف، ويا سعد” وغيرها.
ولاقى المغاصبة تشجيعا كبيرا حتى أنه بات يعزف في السهرات بالمناطق المحيطة به، وبحسب المعانية “يطقون مع الكف” لعزف جميل، والذي يطربهم خاصة في المناسبات الشعبية، ويتلقى عروضا أيضا للعزف.
وعن الاختلاف بين آلة المجوز التي يعرفها الكل في منطقته، وآلة الناي، أن الأخيرة لها ثلاثة ثقوب، وآخر بالجهة السفلى، ما يجعل صوتها أقوى عند النفخ من خلالها.
فيما كان دافع “محمود” ذي 13 ربيعا ايضا إجادة العزف كأصدقائه بعد التحاقه بالتدريب خلال الورشة، حيث وجد بها تسلية كبيرة الى جانب استمتاعه بسماع صوت الناي المميز. وأضاف أنه لم يكن يعرف تلك الآلة من قبل، لكنها باتت صديقته في أوقات الفراغ، إذ يقضي وقته بالتدرب عليها، ساعيا للاحتراف وتعريف من حوله بها.
زريقات كان أيضا قد بدأ رحلته مع الناي من خلال تعلم العزف منفردا، حتى التقى بأستاذ الموسيقى ليث سليمان الذي أسس برفقته “بيت الناي” الى جانب زميلته لمى الخطيب، بعد أن أراد تعلم العزف عليها، خاصة أنها جزء من موسيقانا العربية وتشتهر في منطقة بلاد الشام ومصر. إذ سعى لتوفيرها للجميع وانطلق من “بيت الناي” لتأمين صناعتها، كجزء من تعزيز مفهوم الالة الموسيقية العربية الشرقية وتنوعها.
رحلة شغف وتعلم
استاذ الموسيقى في بيت الناي، والذي يقوم بتقديم التدريب للطلاب في مختلف مناطق المملكة عبر هذا البيت الاستاذ ليث سليمان، المتخصص والحاصل على ماجسيتر من أكاديمية الفنون التابعة للمعهد العالي للموسيقى العربية، وضع على عاتقه تعليم الطلبة كيفية استخدام آلة الناي والعزف عليها، والتعريف بتاريخها وارتباطها بتراث المجتمع الأردني قديما.
ويبين سليمان أن التنقل في المملكة من خلال ورش التدريب لفئات عمرية مختلفة، والتي عقدت في الازرق وغور المزرعة وغيرها، لمس غياب معرفة الناس بآلة الناي، وبذات الوقت تفاعلهم معها وحبهم لها، وإقبالهم عليها بفضول جميل.
فالناي بحسبه هي آلة النفخ الوحيدة في الموسيقى الشرقية، وتستهدف المناطق المهمشة في بعض الأمور، خاصة تلك التي يتوفر بها قصب الناي، وهو مهم للحفاظ على الهوية الموسيقية الشعبية.
ويعمل سليمان الى جانب ربيع زريقات على تعليم صناعة الناي، ليتحول الطلبة بعد عام من التدريب إلى معلمين وصانعي ناي في محافظاتهم، محققين الاكتفاء الذي يهدف له “بيت الناي”.
ويشمل التدريب تعريف الطلبة بأغانيهم التراثية، مثل: “يا هلا بالضيف ضيف الله”، “فوق النخل”، “زريف الطول” “البنت الشلبية” و”الحلوة دي”، التي تكون أكثر ألفة لأذنهم، وأكثر ليونة لتعلمها.
ويتاح للمشاركين أيضا تعلم صنع آلة الناي والحصول على واحدة خاصة بهم بعد تعلم تاريخها، كما تعلمهم قيم التعاون والتكافل والارتباط بالأرض والهوية، إلى جانب إجادة استغلال الموارد المحلية التي وفرت لهم هذه الآلة المميزة.
ويوضح زريقات أن فكرة تعليمهم صناعة هذه الآلات بمواردهم المتاحة، جاء بدافع لبناء ثقافة الإنتاجية لدى المجتمع، وتحويله إلى شعب منتج، فالناي ثقافة وقصة صناعة، أكثر من كونها أداة للعزف والطرب.
و”بيت الناي” هو واحد من مشاريع جمعية “ذكرى” التي أسسها ربيع زريقات، وجزء من جمعية ذكرى التي تأسست العام 2007 والتي تعمل على البحث في ثراء المجتمعات الريفية والشعبية والتعلم من معارفهم وخبراتهم المحلية المرتبطة بالبيئة المحلية بهدف استلهام حلول مستدامة للكثير من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهنا اليوم في إطار يحفظ كرامتنا، ويكسبنا ثقة بهويتنا. وتطمح “ذكرى” لطرح نموذج بديل للتعلم يسعى لخلق مجتمعات مستقلة، منتجة ومهيمنة على أرضها ومصادرها.
ويعد زريقات أول صانع ناي أردني محترف، وهو شريك مؤسس في مشروع “بيت الناي” إلى جانب ليث سليمان وسيرين حليلة، وهو أحد مشاريع ذكرى الثقافية، والذي يسعى الى استعادة ما فقد من العلاقة بين الجيل الناشيء وموروثهم الفني من خلال تعليم صناعة والعزف على آلة الناي.
وهو حائز على جائزة الاونيسكو -اليابان للتعليم من أجل التنمية المستدامة في باريس، زمالة اشوكا، جائزة الملك عبداللة الثاني للإنجاز والإبداع الشبابي، وورلد ترافل ماركت جلوبال اورد في لندن، ومبدع اجتماعي من مؤسسة سينرجوس.
وقد شارك كمتحدث في العديد من المؤتمرات والجامعات العربية والعالمية مثل جامعة هارفرد، مؤتمر اليونسكو في باريس، مؤتمر الريادة في الدوحة، مؤتمر السياحة المجتمعية في البرازيل، مؤتمر الشباب في ابو ظبي ،TEDX Muscut, TEDx Amman وغيره.

جانب من الأمسية- (تصوير: ساهر قدارة)
جانب من الأمسية- (تصوير: ساهر قدارة)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock