ترجمات

“أمل الصغيرة”: قول الحقيقة الممضة

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

افتتاحية – (الغارديان) 20/10/2021

جذبت رحلة الدمية المسماة “أمل الصغيرة” التي تمثل رحلة مهاجرة سورية صغيرة من تركيا إلى المملكة المتحدة الجماهير -لكنها أزعجتهم أيضًا. وهذا هو بيت القصيد.
* * *
في الأسبوع الماضي، هبطت دمية طولها 3.5 متر تدعى “أمل الصغيرة” في فولكستون. ومن هناك تسافر إلى لندن وكوفنتري، وأخيراً مانشستر. وقد قطعت الدمية، منذ تموز (يوليو)، مسافة 8000 كيلومتر عبر تركيا، واليونان، وإيطاليا، وسويسرا، وألمانيا، وبلجيكا وفرنسا، سالكةً الطريق نفسه الذي قد تسلكه طفلة مهاجرة من سورية. وقال ديفيد لان، أحد منظمي المشروع، إن رحلتها توفر “فرصة للناس ليكونوا متعاطفين، ويتخيلوا كيف يمكن أن يكون شعورهم لو أنهم كانوا في مكانها”.
كقطعة مسرحية، فإن “أمل الصغيرة” هي شيء غير عادي: إنها بسيطة بشكل لا يصدق، تكاد تكون ساذجة من حيث التصور، لكنها ملحمية تمامًا من حيث التنفيذ. لقد كانت رحلتها (كروح حية، لأنه، بطريقة ما، من المستحيل الإسناد إليها بصيغة الجماد) رحلة هائلة ومؤثرة للغاية -وتشكل مداخلة مهمة في النقاش الطويل والصعب حول اللاجئين، والتي تُرسي بقوة أسس التعاطف البشري البسيط بدلاً من طرح الأفكار السياسة أو الحجج الجافة. وعلى طول الطريق، استقبلتها الحشود بفرح، وبرسائل أرسلها التلاميد من المدارس البلجيكية، وباركها البابا، وتحتفل (اليوم) الأحد بعيد ميلادها في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن مع الأطفال المحليين وعدد كبير من كعكات عيد الميلاد. ولكن، كان هناك جانب مظلم في الرحلة أيضًا: لقد تعرضت “أمل الصغيرة” أيضًا للرشق بالحجارة، وأقيمت احتجاجات ضدها، وحُرمت من الوصول إلى قرية للأديرة اليونانية. وقد لقيت “أمل الصغيرة”، كعمل فني، ترحيباً من الجمهور، وأفرحتهم. لكنها أزعجتهم وأيقظت فيهم مشاعر عدم الارتياح أيضًا، حتى أنها صدتهم وأبعدتهم. وبعبارة أخرى، كما أوضح لان، سمح وجودها بنوع من إعادة تمثيل المواقف التي يتم عرضها عند مواجهة اللاجئين الحقيقيين.
في بعض الأحيان، يمكن للغة المستخدمة لترويج الفن أن تتجاهل سببًا مهمًا لوجوده في المجتمع: رفع مرآة أمام المجتمع ليرى فيها نقاط ضعفه، ويتعقب من خلالها خيلاءه وغروره. وتبقى الفنون، مؤسسياً، بارعة في استدعاء جميع أنواع الحجج لدعم استمرار وجودها واستحقاقها للدعم العام: هذه الحجج، التي تم تبنيها بطريقة براغماتية لتخدم مزاجاً سياسياً ما، يمكن أن تخطئ أحيانًا في الاتجاه الذي يشير إلى أن “القطاع الثقافي” موجود بشكل أساسي من أجل دعم “العلامة التجارية البريطانية” -لتشجيع السياحة؛ وإظهار الأمة في أكثر حالاتها “حيوية”؛ وتعزيز الثروات الاقتصادية لهذه المدينة أو تلك من خلال إنتاج كذا وكذا من أوجه الإنفاق لكل جنيه يدفعه دافع ضرائب والذي يتم استثماره في مسرحها أو مركز فنونها.
لكن الفن في الأساس لا يتعلق بأي من هذه الأشياء الأدواتية، ولا هو يتعلق بتوفير الفرح أو “الاحتفال بالإبداع”. إن للفن أشياء أفضل ليقوم بها، وكثيرًا ما قال أعظم الفنانين أو فعلوا أشياء لا تحظى بشعبية كبيرة (“أيرلندا هي الخنزير المسنة التي تأكل خناصيصها”. هكذا قال جويس ستيفن ديدالوس، والذي لن يكون من ذلك النوع من المشاعر التي من شأنها أن تسعد ممولي اليوم). إن مسرحية لوسي كيركوود القصيرة الجديدة، “ماريلاند”، التي يستمر عرضها في “رويال كورت” بلندن حتى عطلة نهاية الأسبوع قبل إتاحتها مجانًا لأي شركة مسرح ترغب في إجراء قراءة لها، هي شيء فظيع لمشاهدته: ثمة نوبة عويل من الألم والغضب من العنف ضد المرأة الناجم عن مقتل سارة إيفرارد. لكن الفن يتصرف كضمير المجتمع: وهو عمل مهم حتى (أو بشكل خاص) عندما، يكون ما يجب أن يقوله غير مستساغ إلى حد كبير.

*نشر هذا المقال الافتتاحي تحت عنوان: The Guardian view on Little Amal: telling the unpalatable truth

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock