ثقافة

أمل بورتر تنتقي مختارات شعرية للحكيم الصيني لاوتسه في إصدار جديد

زياد العناني


 عمان – ثمة إطلالة لافتة على الشعر الصيني قامت بها المترجمة الكاتبة والأكاديمية أمل بورتر، التي أضافت للمكتبة العربية مختارات من أشعار الحكيم لاوتسه في إصدار جديد عن دار فضاءات للنشر والتوزيع جاء في 124 صفحة من القطع المتوسط.


 الترجمة التي استغرقت من الباحثة خمسة عشر عاما، توغلت في أفكار الحكيم لاوتسه التي كتبت شعرا، حيث قدم فيها جملة من المضامين الفلسفية التي تنتمي إلى الطاوية؛ إحدى أكبر الديانات الصينية القديمة التي تقوم في جوهر فكرتها على العودة إلى الحياة الطبيعية، والوقوف موقفاً سلبياً من الحضارة والمدنية.


 ويعد لاوتسه الذي ولد في العام 507م، من أبرز الشخصيات التي ساهمت في إرساء مذهب الطاوية التي كان لها دور مهم في تطوير علم الكيمياء منذ آلاف السنين، وذلك من خلال مسيرتها في البحث في إكسير الحياة ومعرفة سر الخلود. ويقول لاوتسه في مختاراته:


“إذ يتمطى القوس


إلى أقصاه


قد ينفلت


وإذ يحد السيف الى مداه قد ينثلم


الدار المملوءة ذهبا وفضة


لن تبقى آمنة


من يعرض غنائمه يسعى إلى المتاعب


تنح عن منصبك عند اكتمال مهمتك


فهذا جوهر حياة التمام والفضيلة لبلوغ الكمال”.


وعلى طاو هو المطلق الكائن، وهو مراد الكون، ليس منفصلاً عن الكون بل هو داخل فيه دخولاً جوهريًّا، وقد انبثقت عنه جميع الموجودات:


“قبل ولادة الأرض والفردوس


هناك الكامل غير المحسوس بلا هيئة


يقف وحيدا وغير متغير


ويجدد نفسه بكل الاتجاهات من دون جهد


إنه خارج نطاق فهم البشر


لا يمكن إطلاق اسم معين عليه


ولكن يعرف بالطاوي


الحقيقة الجوهرية للكون وفي غياب المسميات


سأدعوه بالعظيم”.


ويلاحظ القارئ إيمان لاوتسه بوحدة الوجود، وإيمانه بالقانون السماوي الأعظم الذي هو أصل الحياة والنشاط والحركة لجميع الموجودات في السماء والأرض، خصوصا وأنه يؤكد ويكرر عظمة الخالق ويدعوه بالعظيم.


 ويقول لاوتسه الذي عمل كأمين مكتبة الإمبراطور وخازن الأرشيف الإمبراطوري، واكتسب الكثير من المعارف نتيجة لاطلاعه على المؤلفات القديمة والتي يعود تاريخها إلى ما قبل العام 2697 قبل الميلاد، والذي شعر في آخر حياته أن السنين المقبلة ستجلب معها الكثير من الانحطاط الروحي والفوضى، فقرر ترك العالم والاعتزال ليعيش وحيدا ومنسجما مع البيئة والطبيعة، ويبدع أشعار مجلده “طاوي تي جنك”، الذي يحتوي على حكم منها في مقاطع أخرى من قصيدة الثبوت:


“العداء الماهر


لا يترك أثراً لخطاه


والخطيب البارع


لا يتلكأ في كلماته


ومن حذق الأرقام


لا يعتمد الحاسوب


من يستطيع أن يغلق كل شيء


فلا ضرورة للقبضان والمزلاج


وبهذا لا يستطيع أحد أن يفتح ما أغلق


من يستطيع أن يربط


لا يحتاج الى حبال وعقد


ولن يستطيع أحد أن يحل ما ربط”.


ويتطرق لاوتسه في حكمه إلى الذكورة والأنوثة، رائيا أن الرجل يمتلك مبادئ الذكورة، ومع ذلك لا بد له من أن يحافظ على مبادئ الحلم والدعة والأنثوية كي يصبح جدولاً متدفقا للعالم، لا ننحرف عن طريق الطبيعة الحقة، ويعود إلى براءة طفل رضيعا ويعرف النور ويلزم العتمة، ولا تشكك في طريق الحقيقة الجوهرية وبهذا سيمتثل لأسلوب التكامل وتعود غلى اللامنتهى، شرط أن يعرفَ كيف يتكرم ويتبجل، ويحافظ على البساطة غير المزوقة، ثم يأمره:


“كن الوادي الخصيب لكل العالم


وكواد خصب للعالم ستعرف وفرة


ثبات فضيلة تكامل جوهر الكون


بهذا ستعود إلى البساطة الحقة


ككتلة لم تنحث”.


 وتتوزع حكمة لاوتسه ومدرسته الطاوية في معظم المختارات الشعرية بما فيها المواعظ التي تحض الإنسان، على أن لا يهمل متطلبات المجتمع المحيط، وأن يبحث فقط على الأشياء التي تمكنه من أن يتناغم مع المبادئ المؤسسِة للكون، من خلال اجتناب كل الأفعال الناتجة عن الغصب والاصطناع، أو غير الخاضعة للطبيعية والعودة الى نمط الحياة الفلاحية البدائي.


 يذكر أن الكاتبة د. أمل بورتر، فنانة ومؤرخة تخصصت في دراسة الفن وتاريخ الفن من بريطانيا وبيروت وبغداد وفيينا وموسكو. حاضرت في تاريخ الفن في كلية التربية الفنية في جامعة السلطان قابوس مسقط عمان. استشارية حول العلاقات الفنية – الثقافية للأقليات العرقية وترويج الوعي الثقافي، وهي أيضا منسقة عدة برامج حول الوعي الحضاري تتضمن البرامج إقامة ورش عمل ومحاضرات وتنسيق معارض فنية. تعمل باحثة في الفنون التشكيلية نشرت في الدوريات والصحف العربية العديد من البحوث والمقالات، باللغتين العربية والإنجليزية. ولها من الإصدارات كتابان: الأول عن رسائل والدها (العراق ما بين 1915- 1945 سيرة ورسائل سيرل بورتر). ورواية “دعبول البلام” و”مذكرات أميرة بابلية”.


[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock