سمعت في عيد الأم من يقول إن أجمل أغنية عربية غُنيت للأم هي “ست الحبايب يا حبيبة”، للراحلة فايزة أحمد من ألحان محمد عبد الوهاب. وأظن أن العرب، من المحيط إلى الخليج، يعرفون هذه الأغنية ويتذكرونها في عيد الأمهات. وهي تُكثِّف مشاعر الأبناء كلهم تجاه أمهاتهم، وتعبر ببساطة عن امتنانهم لهُن على تعبهن وسهرهنّ ومشاركتهن. ومن جهتهن، تحكي كل الأمهات تقريباً عن المتعة الفائقة والشعور بالغاية اللذين يصاحبان هذا التعب، بينما يرين أبناءهُن يكبرون ويُزهرون.
هكذا هي العلاقة الطبيعية بين الأمهات والأبناء، التي رسمها الشاعر حسين السيد في كلمات الأغنية. لكن ثمّة أمهات محرومات من هذه العلاقة الرائقة، واللواتي كتبوا لهنّ أغنياتٍ بديلة. صحيح أنهن سهرن وحملن الهموم، لكنّهن رأين شجيراتهن التي يتعهدنها ويرين فيها امتدادهن وهي تنقصف وتذهب في غير أوانها، ويذهب التعب، والأمل، سُدى.
لهنّ كتب الشاعر اللبناني الجنوبي، حسن عبد الله، قصيدته التي غناها مارسيل خليفة: “أجمل الأمهات التي انتظرَت ابنها.. وعادَ مستشهداً… فبكَت دمعتينِ، ووردة.. ولم تنزو في ثيابِ الحِداد”. وللأمهات اللواتي يعشن مع قلق الانتظار والبُعد عن الأبناء، كتب محمود درويش: “أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي، ولمسة أمي”. هؤلاء الأمهات، لا تُدار لهُنّ في عيد الأم أغنية فايزة أحمد.
في مقابلة مع أم الشهيد عمر أبو ليلى أذيعت في عيد الأم، قالت أنها زغردت، لأول مرة في حياتها، عندما علمت أن ابنها استشهد، ثم بكَت دموعاً، ولا أشاهد ورداً. ونحن نعرف أن الزغاريد ليست الشيء الحقيقي لمناسبة الموت. لا يمكن أن يكون فقدان الابن، لأي ذريعة أو سبب، مدعاة لغير الفجيعة وتمزق القلب. لكن الأمهات الفلسطينيات ومثيلاتهن يحتلن على الموت ألماً بأمل أن الولد الراحل سيعيش أبداً في حياة أخرى. وفي الحقيقة، الموت هو الموت، والشوق هو الشوق، والوجع هو الوجع، والثكل هو الثكل.
لا أستطيع أن ألتقط الجماليات في الأم المثكولة، الموصوفة بـ”أجمل الأمهات”، التي رحل ابنها لا كغيره، وإنما مقتولاً. لا أحتمل مشاهدة فيديو يصورها وهي تتحدث، ولا أستسيغ فكرة مشاركة ألمها على “فيسبوك”. أجمل الأمهات، بالمعنى الواقعي للجمال والجماليات، هي الأم العادية التي تنتظر عودة الولد إلى البيت، ولا يخامرها أكثر من قلق خفيف إذا تأخر في العودة.
لا نريد لأمهاتنا هذا “الجمال” وهذه “العظَمة”. لا نريد أن نكون أناساً يفاخرون الآخرين بأن لدينا الكثير جداً من “أجمل الأمهات” اللاتي ينتظرن أبناءهن فيعودون شهداء. نريدهن أمهات عاديات، لا يستدعين سوى الانتباه العادي. لا نريد أن تزغرد أمهاتنا في الجنازات التي لها الحِداد والبكاء، ويظهرن خارجات عن طبيعة الأشياء، بينما ينزفن من الداخل، مثل “الحبشي الذبيح” الذي ترقص به حلاوة الروح.
كلنا نمجد الشهداء وأمهات الشهداء بالهتاف من المدرجات، وقليلون جداً منا الذين يريدون أن يكونوا حقاً محل آباء وأمهات الشهداء –ليس لأننا غير أخلاقيين، وإنما لأن التضحية بالأبناء هي الخيار الأكثر من أخير، عندما يكون الظَّهر إلى الحائط الأخير. لا يمكن أن تكون لصورة فتىً ذهب ليحارب جيشاً بفرصة صفر في الحياة، مثل فتى فائز في مسابقة رياضية. لا فوز في الموت، إلا بقدر ما نُزينه ونبرر اضطرارنا إليه.
ما مِن شيء جميل في كثرة الشهداء، ولا غنىً روحياً في وجود هؤلاء الأمهات المختلفات اللواتي يكُنّ موضوعاً لمقاربات مختلفة في الشعر غير “ست الحبايب” الجميلة بما هي، التي تزغرد عندما يتزوج الأبناء، وتبكي عندما يموتون كما يموت الآخرون، دموعاً كثيرة بلا ورود، وتنزوي في ثياب الحداد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock