أفكار ومواقف

أميركا بلا قناع

تغزو الولايات المتحدة الشعوب وتحتل أرضها وتسقط أنظمتها وتقوض بناها وحضارتها وتعيدها إلى القرون القديمة، بذريعة الدمقرطة وتحرير الشعوب. وهي نفسها في الحقيقة ثقافة عنصرية فوقية، تعتاش على الهيمنة بأي ثمن. وتُظهر حادثة قتل جورج فلويد تحت ركبة شرطي أمام الكاميرات، ثم قمع الاحتجاجات السلمية قبل العنيفة، أن النخبة الأميركية الحاكمة لا تخجل من إظهار حقيقتها أمام شعبها والآخرين كأي نظام قمعي.
لا يختلف مقتل فلويد الأسود في أميركا عن مقتل أداما تراوري، الشاب الأسود في فرنسا، وإياد الحلاق في فلسطين المحتلة. كلهم قضوا بسبب وحشية الشرطة التي تصرفت بدوافع عنصرية. وفي الحقيقة، ليست مصارع السود في أميركا والفلسطينيين في بلدهم المحتل هي المظهر الوحيد لتطابق النظامين الوحشيين في البلدين. لقد أسسا نفسيهما على الإبادة العرقية والجماعية لأصحاب الأرض الأصليين، وعاشا على تضييق حيز المتبقين منهم بلا هوادة وحشرهم في “محميات” في حالة الأميركان، وبانتوستانات في الضفة الغربية أو سجن مفتوح في غزة في حالة الصهاينة.
المشكلة في هذين النظامين العنصريين أنهما يصنعان الكِذبة ويعتنقانها كإيمان، ويظلان يكررانها بلا كلل حتى يشرع آخرون في ترديدها بغسيل الدماغ أو التملق والمصلحة الذاتية. الأميركيون يقولون أنهم أنبياء الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي الممارسة تشكل الولايات المتحدة حالة دراسة للتفاوت المفرط والطبقية وحكم القلة والعنصرية والعسكرة والعنف. وهي الحائط الذي يستند إليه المستبدون في كل ركن في الأرض، والجحيم الذي يحرق آمال كل الشعوب الساعية إلى تحرير إرادتها والاستفادة من مواردها، أو محاولة المنافسة في هذا العالم.
والصهاينة يقولون إنهم الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن جيشهم هو أكثر الجيوش أخلاقية في العالم، وأنهم جاؤوا ليصنعوا الحضارة في أرض بلا شعب. ومقاومة أصحاب الأرض في تعريفهم إرهاب، ومطالبهم بإنسانيتهم تطفُّل وإزعاج، وتكوينهم كله أقل من بشري ولا يفيد معهم إلا العنف. ولذلك، ليس غريباً أن تكون العلاقة عضوية بين الكيانين، حيث تمد الولايات المتحدة الكيان الصهيوني بالهواء والغذاء والحياة بحبل سُري لا ينقطع، ومعه الشيفرة الجينية المتطابقة.
كان الأميركيون هم الذين جلبوا الناس الأحرار من أفريقيا بعد أن “اصطادوهم” –حرفياً- وصفّدوهم وجعلوهم أملاكاً. وكان الأميركيون أنفسهم مهاجرين هاربين من الاضطهاد الديني والفقر والاستغلال، وقطعوا الرحلة الطويلة الشاقة في المحيط ومات منهم من مات طلباً للحرية والحياة. لكنهم نسوا مبدأهم وحولوا عقدة الاضطهاد إلى أيديولوجية لاضطهاد الآخرين. وعندما تحرر السود بعد عناء، وجاء المهاجرون الملونون من كل مكان ليصنعوا “الحضارة الأميركية”، ظلت فكرة “السيد” في مقابل “العبد” و”المستأجر” و”الدخيل” راسخة في الثقافة الأميركية الحاكمة –كمحدد للتركيبة الهرمية الداخلية أو للتركيبة الهرمية العالمية.
على أساس نفس الخطاب الأميركي، من المبرر أن تطالب الدول الاسكندنافية مثلاً، أو أي مجتمعات حققت اختراقات حقيقية في المساواة الاجتماعية والسلمية وكرامة الإنسان، بمقاطعة الولايات المتحدة ومحاصرتها ومعاقبتها دولياً باعتبارها نظاماً عنصرياً وعدوانياً يرتكب جرائم الحرب ويدعم الاستبداديين. ومع تهديد ترامب بنشر الجيش في الشوارع لقمع المحتجين وأمره باستهداف المتظاهرين السلميين في بلده نفسه بالغاز والرصاص المطاطي، أزال أي فارق بينه وبين حكام العالم الثالث.
ينبغي أن تكون أزمة “كوفيد-19” والخلخلة التي تُحدثها في العالم فرصة لإنزال الولايات المتحدة عن عرش الهيمنة العالمية، ونزع عباءة الفضيلة المختلقة عن أكتافها. إنها لم تُحسن قيادة العالم –ولا نفسها- في مواجهة خطر يتهدد البشرية، وكشفت عن منتهى الأنانية ونزعات الاستقطاب والتقسيم. وفي كل محطة سابقة، كانت صورة منجزاتها العلمية السلمية تغيم وراء منتجاتها المميزة من أدوات القتل والاتجار بها كمصدر رئيس للثروة. وحيثما حققت نفوذاً في العالم، فقد صنعته بالقوة والإكراه والسيطرة على الموارد واعتقال الإرادات.
بالنسبة لنا، تشكل مساهمة الولايات المتحدة الأساسية في مخطط ضم أجزاء أخرى من الضفة الغربية وغور الأردن إلى الكيان عامل التأزيم الأخير فقط من عملها الدائم لنزع استقرار الإقليم. ونحن مطالبون الآن، كما كنا دائماً، بتنويع الخيارات والتواصل مع أي قوى تطرح نفسها كبديل مختلف، إذا كان لا بد من أن التصرف من موقع التبعية. والأمل أن يعيد “كوفيد-19” الفرز بطريقة تغير التقسيمة الاستبدادية في النظام العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock