ترجمات

أميركي في القاهرة: مصر من خلال عيون غربية

ليزا أندرسون – (فورين أفيرز) عدد أيلول (سبتمبر) / تشرين الأول (أكتوبر) 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أمضى بيتر هيسلر، مؤلف العديد من الكتب والحائزة على جوائز عن كتاباته عن الصين، الفترة من أواخر العام 2011 وحتى العام 2016 في مصر، حيث كان يكتب لمجلة “نيويوركر”. ويغلب أن يصبح كتابه الجديد، الذي يجمع ويوسع المقالات التي كتبها لمجلته، العنوان الذي يُحث كل زائري مصر لأول مرة على أن يحزموه في أمتعتهم، وأن يُدرجوه بأناقة بين كتيباتهم الإرشادية عن المتحف المصري ومسار رحلتهم النهرية في النيل.
هيسلر كاتب غير عادي، ومصرُه مليئة بالأوغاد الذين تحولوا إلى أبطال، والأبطال الذين تحولوا إلى الأوغاد. ونطاق كتابه فسيح، يمتد من ألغاز المقابر القديمة إلى شواغل الزواج المعاصر، وهو يحكي قصصاً مثيرة عن المصريين العاديين وغير العاديين على حد سواء: جامع قمامة، ضابط شرطة، امرأة متدينة ترتدي النقاب، رجل يتردد على ملاهي المثليين الليلية غير المشروعة، وسياسي في بلدة صغيرة. وينسج هيسلر معاً صوراً مدوَّرة من هذه الشخصيات وشخصيات أخرى، ويُخمّر قصصهم بالحكايات المحببة، والقليل (وإنما ليس كثيراً) من التاريخ الحديث، والكثير (ولكن ليس الكثير جداً) من التاريخ الفرعوني، والملاحظات المضحكة حول ما تتعلمه حقاً عندما تحاول اكتساب لغة جديدة، وما قد تكشفه لك دراسة الحياة قبل 4000 عام عن الحياة اليوم. وبوصفي إنسانة عاشت كأجنبية في مصر أثناء وجود هيسلر هناك، فإنه يمكنني أن أشهد على أن الكثير من الصورة التي يرسمها للبلد وناسه صحيحة، تعكس العديد من العناصر المعروفة في البلاد -وليس أقلها الفكاهة الساخرة والمنتقدة للذات التي يُعرَف بها المصريون عن حق، والتضامن الأسري القوي المذهل الذي يشكل في الوقت نفسه مصدراً للاستقرار في أوقات الاضطرابات، ويشكل -من وجهة نظر هيسلر- عقبة تقف في طريق التغيير الاجتماعي والسياسي.

* *

عاش هيسلر مع أسرته في حي الزمالك القاهري الراقي، على مسافة قريبة سيراً على الأقدام من أفضل فنادق القاهرة (لا يعني هذا أن الجميع يسيرون على الأقدام في القاهرة). واتخذ لنفسه عادة من زيارة المواقع الأثرية على طول مسار رحلة النيل السياحية الكلاسيكية. وفي كل مكان ذهب إليه، وجد أشخاصاً غريبين وكاشفين أحياناً، ومشاهد ومعالم سياحية وأصواتاً. وبكرم الضيافة المصري النمطي، منح جامع القمامة في حيّه، سيد، هذا الأجنبي الفضولي أدلة إرشادية عن الحياة إلى جانب جولاته. ويقول هيسلر إنه إذا كان “فضولياً إزاء أي شخص في الحي، فإنني كنتً دائماً أسأل سيد” -يمكن لأي شخص أن يستخلص الكثير من المعلومات عن استخدام الناس للعقاقير، والمشاكل الصحية، والأذواق في الطعام والجنس من القمامة الخام. وثمة مصدر مهم آخر لهيسلر، كان مترجمه المنفتح بشكل ملحوظ، مانو، الذي كشف لهيسلر عن عالم الرجال المثليين الخفيّ إلى حد كبير في مجتمع نادراً ما تكون فيه الهويات والرغبات واضحة كما توقع هيسلر. وكما يلاحظ، بالنسبة لجميع المصريين الشباب، “كان الكبتُ الجنسي ثقلاً ثابتاً على نفسياتهم”. ويضيف أن “الشباب بشكل خاص ينشرون هواء غير مستقر ومتقلّب بعض الشيء”، لكنه يستغرب من أن أصدقاء مترجمه لم يكونوا فقط من نوع الناس الذين توقعهم: “الأجانب والليبراليين والنشطاء السياسيين والمثليين”؛ كانوا أيضاً “رجال شرطة نموذجيين -مفتولي العضلات، ورياضيين ووطنيين- وإنما الذين بدوا وأنهم يستمتعون بصحبة مانو، مع ذلك”، بل وكان منهم حتى “عضو شاب في جماعة الإخوان المسلمين”.

بين الأنقاض: صبي يلعب في القاهرة، أيار (مايو) 2009 – (أرشيفية)


تتساقط القوالب النمطية من كل الأنواع على جوانب الطريق بينما يشق هيسلر طريقة متجولاً في البلد. وفي الواقع، يتبين أن بلدات وقرى مصر العليا تضم عشرة أسواق للأكشاك أو أكثر، والتي يديرها رواد أعمال صينيون يبيعون الملابس الداخلية الصينية المستوردة -وهو اكتشاف هائل سهلته إقامة هيسلر السابقة في الصين وكفاءته في اللغة الصينية. وتصنع هذه اللقاءات والعديد من اللقاءات الأخرى ملاحظات مضحكة ومضيئة، واستفزازية في كثير من الأحيان، حول مصر وشعبها. عندما يزور هيسلر جامع القمامة، سيد، في المنزل، على سبيل المثال، يدهشه أن يجد شقة جامع القمامة نظيفة ومرتبة جداً، ومجهزة بأجهزة حديثة تماماً وجهازي تلفزيون وجهاز حاسوب للأولاد. وتظهر هذه الرفاهية المادية السبب في أن القاهرة ما تزال، على الرغم من كل الفوضى التي تضربها، نقطة جذب للمهاجرين من الريف وتضم الآن حوالي 20 مليون شخص. وتولِّد محادثات هيسلر مع رجال الأعمال الصينيين الذين التقى بهم استبصارات استفزازية مماثلة. وعلى الرغم من أنهم يبدون اهتماماً ضئيلاً بالسياسة المصرية، فإنهم محللون متحمسون لما اعتبروه ثورة مصر الفاترة التي تعوزها الحماسة: الصين، بعد كل شيء، “شهدت تغييراً ثورياً حقيقياً على مدى القرن العشرين، سواء كان ذلك للأفضل وللأسوأ، وهم يعتقدون بأن المصريين لم يلزموا أنفسهم قط بإحداثِ تحول مضنٍ من هذا النوع”.

* *
لكن هناك مواضع كثيرة أغفلها كتاب هيسلر بطريقة محيرة. وربما يكون من بين الأمور الأكثر إثارة للدهشة، أنه بالنظر إلى أن الكتاب يزعم أنه “حفرية في الثورة المصرية”، فإنه يحكي القليل نسبياً عن انتفاضة العام 2011 التي أسقطت الرئيس حسني مبارك. ويبدأ هيسلر بقصة مضحكة وملفتة للنظر حول تداعيات الثورة في الموقع الأثري في صعيد مصر الأعلى الذي منح الكتاب اسمه، “مقبرة قديمة يشير إليها القرويون باسم ’المدفونة‘”. هناك، شعر مدير الموقع الأثري بالقلق من أن النقص المفاجئ في تواجد الشرطة كان يشجع لصوص القبور واللصوص. ولذلك صنع صندوقاً خشبياً كبيراً، وطلاه باللون الأسود، وأضاف إليه الأضواء الساطعة وصفارات الإنذار، وقام بتثبيته على شاحنته كل ليلة: “في الظلام كانت السيارة عبارة عن تقليد جيد بشكل لافت للنظر لناقلات الجنود المدرعة التي عادةً ما تكون منتشرة في كل موقع سياحي مصري”. وبعد وقت قصير، سرت “إشاعات في القرية بأن الشرطة أصبحت نشطة مرة أخرى”.

غلاف كتاب بيتر هيسلر “المدفونة” – (أرشيفية)


تسمح هذه القصة لهيسلر بتأمل ارتباكات الزمان والمكان: على سبيل المثال، مصر العليا هي جنوب البلاد، وهي الحقيقة التي دائماً ما يندهش الزوار لدى معرفتها. وكانت لدى المصريين القدماء مفاهيم للوقت قد يكون استيعابها “مستحيلاً”… بالنسبة للعقل الحديث”. لكن ذلك يحجب أيضاً حقيقة أن هيسلر نفسه لم يصل إلى مصر حتى تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2011 -أي بعد ثمانية أشهر من الإطاحة بالرئيس مبارك وبعد الاحتجاجات الشديدة على حكم الجيش التي تلت ذلك في ربيع وصيف العام 2011. ونتيجة لذلك، لا يركز الكتاب على الثورة وما حدث في أعقابها مباشرة، وإنما على الحملة الانتخابية اللاحقة، التي أسفرت عن رئاسة محمد مرسي (قائد في جماعة الإخوان المسلمين)؛ والسنة الوحيدة التي أمضاها مرسي في المنصب؛ والانقلاب الذي أطاح به؛ والأيام المبكرة من ولاية عبد الفتاح السيسي، الجنرال الذي قاد الانقلاب وحكم البلاد منذ ذلك الحين -وهي فترة يبدو من المرجح أنها ستستمر لفترة طويلة قادمة.
كانت تلك أوقاتاً فاتنة وصاخبة. لكنها كانت بالنسبة للعديد من المصريين، في أعقاب الثورة، نضالاً شرساً من أجل تصحيح وضع سفينة كادت تنقلب. وينضم هيسلر إلى القصة في منتصف الطريق ولا يتمكن دائماً من التمييز بين السمات الدائمة للبلد وبين توابع الثورة. ويعترف، بينما يفكر في مغادرة مصر، أنه وجد حياته هناك “صعبة”، لكن من غير الواضح أبداً ما إذا كان هذا الشعور ناجماً عن الحياة في مصر بشكل عام أم أنه عكس أجواء ما بعد الثورة. (تخيل شخصاً انتقل إلى مدينة نيويورك في الأشهر التي تلت هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)؛ إلى أي درجة يمكن أن تكون انطباعاته/ها قد التقطت جوهر المدينة، أو أنها عكست بدلاً من ذلك آثار صدمة جماعية حدثة للتو)؟
يلاحظ هيسلر أن مصر تبدو، مقارنة بالصين، غير منظمة على الإطلاق: “كان هذا درساً قاتماً كئيباً تعلمته في مصر: أن الاستبداد غير المنظم أسوأ من الاستبداد المنظم. … بدا القليل من المصريين قلقين من أن السلطات ما تزال، بعد ثلاث سنوات من الثورة، تفتقر إلى معرفة البروتوكول الأساسي للتعامل مع الاضطرابات”. ودائماً ما يكون الاستبداد المقارَن مشروعاً خطيراً غير مضمون النتائج، لكنني لا أتفق تماماً مع استنتاج هيسلر. ربما كان تردد مصر في الإصرار على قدوم استبداد أكثر كفاءة قد عكس الآمال المتبقية، ولو أنها متلاشية، في الانتفاضة الثورية أكثر مما أظهر عدم العناية بقدوم حكومة كفؤة.
عالم النساء
ثمة قطع أخرى مفقودة في الصورة التي رسمها هيسلر. وعلى سبيل المثال، يترك تركيزه على القاهرة وصعيد مصر جزءاً كبيراً من البلاد بلا تغطية، بما في ذلك دلتا النيل والساحل الشمالي، الذي يشكل موطن مدينة الإسكندرية الشهيرة المتلاشية، وحوالي 40 مليونا من 95 مليون مصري أو نحو ذلك من السكان. بدلا من الكشف عن الواقع المعاصر لتلك المناطق، ينسلُّ هيسلر إلى الماضي الفرعوني. وكما يلاحظ هيسلر نفسه، فإن حماسه لمصر القديمة ليس شيئاً نمطياً بالنسبة للمصريين أنفسهم. “يفتخر المصريون العاديون بتاريخهم الفرعوني، لكنَّ هناك قطعاً أيضاً، لأن تقاليد الماضي الإسلامي تظل أقوى وأكثر قُرباً”، يكتب هيسلر. “القدماء ينتمون إلى الأجانب والإسلام ينتمي إلينا” كانت الكيفية التي لخص بها هيسلر النظرة المصرية النموذجية. ومع ذلك، يلعب الإسلام دوراً متواضعاً بشكل مدهش في تكوين محتوى هذا الكتاب، وعادةً ما يتم تصويره على أنه مصدر للتقييد: تبرز متطلبات صيام رمضان وإزعاج النقاب بشكل أوضح، على سبيل المثال، من البهجة التي يعيشها المصريون في الاحتفال بالأعياد الدينية، أو الرضا الذي يجدونه في ممارسة الطقوس المجتمعية.
هذا الإحساس بالتقييد يتغلغل في تقييم هيسلر لوضع النساء في مصر. “لم يكن حتى بدأتُ زيارة أصحاب المتاجر الصينيين في صعيد مصر، حين أدركت كم فاتني من رؤية الرجال والنساء معاً”، يكتب هيسلر. “كان من المريح قضاء بعض الوقت مع الصينيين -أصبح بإمكاني الجلوس والتحدث مع “كيكي” من دون القلق بشأن رد فعل زوجها أو ما إذا كان وجودي الذكوري قد يضر بسمعتها”. ولا يبدو أن هيسلر أمضى الكثير من الوقت مع النساء أثناء عمله في كتابة تقاريره الصحفية، لكنه طور انطباعاً واضحاً عما يكون عليه شكل الحياة اليومية بالنسبة لمعظم النساء المصريات. ويكتب: “تخيلت أن كون الإنسان امرأة في مصر… يحتاج إلى طاقة وفكر وتكيف مستمر”، مضيفاً أن المرأة المصرية النموذجية يجب أن” تقبل أحكام الرجال من حولها، وتقوم بتغيير لباسها وسلوكها وفقاً لمن قد يكون هؤلاء: زوج، قريب قريب، أو قريب بعيد”. ثم يضيف: “بالطبع، فرضت الثقافة في أميركا وأوروبا أيضاً مطالب غير عادلة على النساء، لكن كل هذا لا يُقارَن بمصر”. وباعتباري امرأة تطلبَت حياتها باستمرار الطاقة، والفكر، والتكيف في كل مكان عشت أو عملت فيه، افتقدت في كتابه سرداً أكثر دقة للطرق المحددة التي تشق بها المرأة المصرية طريقها في عالمها الخاص.

* *
بلد صعب
يشير هيسلر بتقدير إلى مرونة المصريين والمجتمع المصري، وهو أمر صدم بالتأكيد كل أجنبي عاش في البلد خلال السنوات المضطربة التي تلت الإطاحة بمبارك. في نيسان (أبريل) 2013، عندما كان انقطاع التيار الكهربائي شائعاً في جميع أنحاء البلاد، قام هيسلر بزيارة إلى مدينة أبيدوس في صعيد مصر، حيث “في الليل، من دون أضواء كهربائية ولا وجود للشرطة، وحيث البنادق في كل مكان، كان بإمكاني أن أسير بأمان في القرية”. ويتعجب من أنه “في بلد كانت فيه الأنظمة والقوانين دائماً ضعيفة، تواجدت هناك قوى أخرى منعت المكان من الانهيار”. وفي البحث عن تفسير لهذا الاستقرار الغامض، يخلص هيسلر إلى أن “الهيكل الحقيقي الوحيد هو نفس الهيكل الذي كان قد شكل الحياة المحلية قبل وقت طويل من حفر المقابر الملكية الأولى في “المدفونة”. إنه لا علاقة له بالإخوان… أو السيسي، أو بأي شخصية أو جماعة سياسية أخرى. بالنسبة للمصريين، كانت الأسرة هي الدولة العميقة”. والقول بأن الأسرة توفر السلامة والعزاء للمصريين الذين يواجهون دولة شاسعة، وإنما متصلبة وغير منظمة، هي ملاحظة ذكية من النوع الحاضر عادة في سرد هيسلر. ولكن، على الرغم من أن الأسرة تلوح بقوة في أفق المجتمع المصري، فكذلك تفعل، أيضاً، الدوافع الدينية، وحسن الجوار، والوطنية، وبعض من اللطف والدفء اللذين يعزان عن الوصف.
يختم هيسلر كتابه بملاحظة محزنة. “لم يطلب منا أحد أن نذهب إلى مصر، ولم يطلب منا أحد المغادرة”، يكتب عن مغادرة أسرته، والذي كان مدفوعاً بإدراك أن هناك “حدوداً لطول المدة التي يمكنهم أن يمضوها في مكان حيث الحياة بالغة الصعوبة”. وكان متردداً على نحو مثير للإعجاب في الاعتراف بهذا للمصريين الذين تركهم خلفه، والذين لا يستطيعون الهروب من الصعوبات هم أنفسهم. ومثل معظم زوار مصر، الذين سيقدِّر العديد منهم كتابه كدليل متجانس روحاً وطبعاً، وجد هيسلر أن رحلاته ممتعة وجلب معه إلى الوطن الكثير من القصص الجيدة، التي يرويها بجودة استثنائية -لكنه كان سعيداً بالعودة إلى الوطن.

* *
يترك هذا القراء وهم يتساءلون عن حياة أولئك الذين تشكل مصر وطنهم. لقد أثارت خيبة الأمل من نتائج الانتفاضات العربية حفيظة الكثير من المعلقين الغربيين على العالم العربي. وفاجأ ذلك المزيج السام من الطغيان والفوضى الذي أطاح بآمال الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والازدهار العلماء والمحللين السياسيين الغربيين وخيَّب أملهم؛ وبالنسبة للعديد من المراقبين، حلت محل الفضول والإثارة مشاعر الاستسلام، بل وحتى الاستياء. وبينما يستنكر النشطاء والمسؤولون الغربيون الحكومات العربية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، ويحذر العلماء الغربيون طلابهم بضرورة الابتعاد عن إجراء البحوث التي قد تكون خطيرة هناك، يبدو أن معظم العالم العربي قد أصبح الآن بعيد المنال حتى بالنسبة للطلاب الأميركيين الراغبين في تعلم اللغة العربية. وفي الوقت نفسه، باستثناء تجار الأسلحة وشركات النفط، ابتعد المستثمرون الأجانب عن المنطقة، قلقين من الشلل البيروقراطي وعدم الاستقرار السياسي على حد سواء. إن الوضع هناك، باستخدام وصف هيسلر، صعب للغاية فحسب.
نتيجةً لذلك، يعرف الغربيون أقل وأقل عن الحياة اليومية للناس في مصر -ويحصدون قدراً أكبر وأكبر مما يعرفونه من خلال الإنترنت، من التغريدات والمدونات ومنشورات الفيسبوك. وثمة القليل من المراسلين الغربيين يتواجدون الآن في البلد، والإعلام المصري بالكاد حر، ناهيك عن كونه ممثلاً حقيقياً للواقع. وتقدر جماعات حقوق الإنسان أن مصر تحتجز حالياً نحو 40.000 سجين سياسي -وهو رقم مروع، وإنما الذي من الصعب تقييم دقته. وعلى الرغم من أنني أود أن أعرف عن حالة هؤلاء السجناء، فإنني أود أيضاً أن أعرف عن آفاق الآلاف من رواد الأعمال في البلاد. ما الذي يعملون عليه، ومن الذي يمول مشاريعهم؟ وبالحديث عن الأعمال، كيف يُبلي قادة الصناعة الذين ازدهروا خلال عهد مبارك اليوم؟ وهل صحيح، كما تشير الصحافة المحلية، أن عددًا أقل من الناس أصبحوا يصومون في رمضان هذه الأيام؟ وما الذي قد يكشفه هذا عن الورع الديني والسياسة والأسرة؟ وأخيراً (على الرغم من أنه يشكل بالكاد نهاية المطاف)، ما هو ميراث الآمال التي ارتفعت وانهارت، والثقة التي أشاعتها -وخانتها- انتفاضة العام 2011؟ لقد فوجئ المصريون بعمق الخلافات بينهم، والتي كشفت عنها الثورة وما أعقبها: الانقسامات بين المسلمين والمسيحيين؛ والثوريين والرجعيين؛ والليبراليين والشعبويين؛ والوطنيين والقوميين؛ والأسخياء والشحيحين؛ والشجعان والمدجّين، أحدثت كلها فرقاً أكثر مما كانوا يعتقدون. وسوف يعتمد مستقبل البلد بدرجة كبيرة على كيفية التعبير عن هذه الهويات وإعادة تشكيلها، بعد أن كُشف عنها النقاب.
اليوم، ما يزال معظم ما يكتبه الغربيون ويقرأونه عن مصر، يدور في الحقيقة حول الغربيين. وسواء كان يمر بمصفاة افتتان السياح المبتلين -على نحو مبرر- بالأهرام، أو بسخط المحللين الغربيين خائبي الأمل -بشكل مفهوم أيضاً- من الاستبداديين، فإن ما نكتبه ينطوي في النهاية على ما يهمنا نحنُ. ربما يكون هذا هو أفضل ما يمكننا فعله. لكنه يعني أن ما يهم المصريين سوف يظل على الأرجح مدفوناً، كما كان حاله، تحت آمالنا ومخاوفنا.

*نشر هذا العرض تحت عنوان: An American in Cairo: Egypt Through Western Eyes

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock