أفكار ومواقف

أمّ المراثي: في عيدها ووداعها

كانت على فراش التعب، وفكرت ان أكتب عنها بمناسبة عيد الأم. لن أنتظر رحيلها لأكتب عنها راثيا، لكنها لم تنتظر؛ فارقتنا في عيد الأم. بكرت في الرحيل عن 92 عاما.. كنت أحب لو بقيت أكثر قليلا. كانت تخبو وأنا أطمع أن تبقى أكثر قليلا.. وفي داخلي كنت اتعجب انها عمّرت كل هذا الوقت مع حياة تهدّ الحيل. هي أصبحت أما في السابعة عشرة ورزقت بالذكور تباعا وعندما جاءت الابنة الوحيدة ولدت معتلَة تحتاج لرعاية استثنائية منحتها لها بكل وفاء دون ان تقصر مع كتيبة الابناء الذكور. من العجب ان كل واحد كان يشعر انه الابن المدلل والاهم، نبع الحب والحنان اللامتناهي في قلب الأم يكفي لأي عدد من الابناء مثل قسمة اللامتناهي على اي عدد.
بعد ان نكبر فقط سنتطلع الى الوراء ونفكر بما قامت به هذه الأم العظيمة مع هذا العدد من الابناء والقيام باقتدار بكل الأعمال في أزمنة لم تكن تتوفر فيها اي تسهيلات، وأب لديه مسؤوليات اجتماعية بصفته من وجهاء القوم كان يجب تبييض وجهه في البيت المفتوح دائما للمعارف والأقارب والضيوف الطارئين وللمناسبات الكبيرة والكثيرة حين تنصب القدور ويمرس الجميد لمناسف الأفراح والأتراح ويمد الفراش للضيوف خصوصا الأقارب القادمين من بعيد وسيبيتون عندنا ويمكن أن أضيف هنا فزعة الجارات أو القريبات لهذه المناسبات.
وبعد كل الاشغال الشاقة كانت تظهر سيدة انيقة مرتبة شديدة الاحترام، وهي بطبيعتها بهية الطلعة تلوح عليها وتميزها سمات نبالة وسمو، رزينة وطيبة وحنونة دون تكلف. وأستطيع ان اتذكر حين يقع شجار الجارات كانت تنسحب ولا يرتفع صوتها ولا يخرج من فمها لفظ رديءص أبدا، وهي بثت في البيت روح الأدب والاحترام، والغريب ايضا حب الثقافة والعلم وهي غير المتعلمة، لكن أستطيع ان اتذكر ثقافتها المكتسبة في ردودها وتعليقاتها وأحكامها الدقيقة كالسهم وبعضها شكل لحظة فارقة في وعيي واتجاهي المعرفي نحو العقلانية والمنطق ورفض التقليد والانقياد والأحكام المسبقة والتحيز الأعمى.
عانت من تشتت معظم الابناء في الاغتراب للدراسة حين كانت الرسائل الشحيحة او الهاتف كل بضعة اشهر هو وسيلة الاتصال والاطمئنان. لا اذكر انها اعترضت يوما على انشغالي بالسياسة لكنها لم تكن تعرف الكثير عن خطر الحزبية في الظروف العرفية حتى داهمها خبر اعتقالي وحين زارتني لم توجه اي لوم لكن أحسست بقلبها المعصور في السؤال اذا ما كنت تعرضت للإيذاء. لكن الأقسى سيأتي بعد قليل حين اغتالت رصاصات جبانة فلذة كبدها ميشيل. ميشيل الذي عذبها كثيرا في حياته القصيرة وكلها مغامرة متصلة داخل الاردن وخارجه. وسمحوا لي بالخروج من السجن لحضور الجنازة ولم اعرف بأي قلب سأواجه الأم المكلومة.. امسكت بيدي وقالت في لوعتها تواسيني متحدّية أعداء لا تعرف من هم.. انها عصا واحدة انكسرت من حزمة وعندما خرجوا بالجثمان المحاط بالنساء والنحيب والسواد اطلقت زغرودة انشق لها حجاب الكون.
كانت تلك هي الأمّ. ام رياض جبلت بمشقات عظيمة، وكم من السعادة والحب والنبل والحزن يفوق الاحتمال ولطالما تساءلت ماذا يخزن هذا القلب. هي كانت تعاني مع اشياء اخرى من تضخم في عضلة القلب. فأي تضخم سيتسع لكل ما مرّ بها، القلب الذي ظلّ يحب ويعطي حتى الثانية الأخيرة وبالقدر القليل المتبقي من نبض حتى سكونه النهائي أول من أمس.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock