رأي في حياتنا

أم بشير.. مسنة في شباب الشيخوخة

“لا أريد شيئا من هذه الدنيا سوى أن أتحدث مع أحد يسمعني من قلبه.. أنقل له أفراحي، وأفرغ بعضا من أحزاني”. هكذا قالت لي صديقتي المسنة أم بشير، المقيمة في دار الزهراء للمسنين.
سيدة متعلمة مثقفة، تملك خبرات الحياة، ومنها تستقي أسرار وتفاصيل الزمان.. في الجلوس معها تستنشق الكثير من الحب والوفاء والأمل والمعرفة، وتستلهم خبرات السنين وبساطة الدنيا في الماضي، وتغير شخوصها في الحاضر.
في كل واحدة من تجاعيد وجهها تستلهم حكاية ما وقصة ما، بعبرة لا تنساها، كما أمل تعلمك أن تأخذه معك أينما كنت، كي تبقى على قيد هذه الحياة.
أم بشير تجلس على سريرها في الغرفة التي يشاركها فيها عدد من المسنات. وعلى طاولتها الصغيرة العشرات من الكتب التي تنهل منها كل يوم، وتشعر أنها ونيسها الوحيد، مع رسوماتها الجميلة التي تخطها كل يوم، فتحكي قصص الماضي والحاضر؛ ترسم بألوانها الجميلة كل يوم وجوه أبنائها وأحفادها وأحبائها، كما تحب هي أن تراهم.
تكتب القصائد الجميلة لتحكي عن دمشق، بأهلها وشوارعها وأزقتها، وتزين بحروفها قصص الشهداء والأبطال؛ تحكي عن الأوطان كيف كانت قبل أن ينقلب حالها رأسا على عقب.. تحكي عن نفسها وحالها.. عما يشغل بالها.
هي لا تبالي بالتجاعيد، بل وتراها خبرة راكمها الزمن، تركت أثرها في ملامحها الناعمة البسيطة.
حين زرتها أول مرة، كان هدفي أن أقوي من عزيمتها، وأبث الفرح في قلبها، وأتحدث لها عن هذه الدنيا التي تغيرت واختلت معاييرها. لكني وجدت نفسي كما الطفلة أتعلم بين يديها. تقويني وتشد من عزيمتي، وتبث البهجة في روحي.. تعلمني الحب والتسامح والسلام مع الذات، وتحدي المصاعب والعقبات.. وكيف نقهر الزمان ولا نسمح له بأن يقهرنا.
علمتني أن الحياة كالبستان الجميل، باستطاعتنا ان نختار منه الورود الجميلة العطرة، ونترك تلك التي تؤذينا بأشواكها.. وتعلمت منها أن نبتسم وإن كانت حياتنا مليئة بالمنغصات. علمتني أن هناك شبابا في عمر الورد والزهور في أعماق كل واحد منهم كهل أتعبته أمراض العصر، وفقد لحظات البهجة التي لم يبحث عنها، إنما بحث عن كل ما ينغص حياته.  فالإنسان، من وجهة نظر أم بشير، قد يكون في ريعان شبابه وهو في عز شيخوخته، تماما كما قد يبدو عليه تقدم السن والهرم، لكنه ما يزال يعيش من داخله ربيع عمره.. فهو من يختار مصيره ويعيش حياته بروح شاب أو طاعن في السن.
أم بشير إنسانة وجدت عالمها الخاص بين كتبها ولوحاتها، وبعض من قصائد تخطها.. لاقت فيهم خلاصها من عالم خارجي مليء بالحروب والدماء، ومشاهد القتل والإفناء الجماعي.
هي واحدة من كثيرات يعشن داخل أسوار دار فيها الكثير من الحكايات الصعبة، تحمل في مجملها عذابات السنين ومرارتها وقهرها وقسوتها. لكن أم بشير تكاد تختلف عن الجميع لأنها تمسك بين يديها مفاتيح الأمل، وتملك روحا جميلة، وقلبا دافئا نابضا بالحياة على صعوبتها، وبداخلها حب للحياة يضاعف حب الصغار لها.
صديقتي التي صرت أزورها باستمرار، تقول: “حينما أكبر.. يكبر قلبي ليسع أبنائي الجدد..”. ولذلك هي لا تخاف الكبر ولا الأسوار العالية التي تحيط بها. لكنها تخاف فقط ممن لا يخاف الله!
“مسنة في شباب الشيخوخة”؛ هكذا تعرف أم بشير بنفسها في مقالات تخطها وتحكي ما يدور في وجدانها.. وأنا أراها شابة يافعة، في ابتسامتها سر شفاء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock