منوعات

أم قيس: مدينة تروي قصة حضارات مختلفة

ميساء زريقات



    عمان – تمتد فوق تلة الى الشمال الغربي من مدينة اربد وعلى ارتفاع 387 مترا عن مستوى سطح البحر، تطل على بحيرة طبريا وهضبة الجولان مما يجعل منها بقعة ذات جمال أخاذ ينقلك إلى عالم من السحر والخيال. إنها مدينة أم قيس، المدينة اليونانية – الرومانية التي عرفت بهذا الاسم في العصور الوسطى، والتي أطلق عليها القدماء اسم “جدارا” والتي ورد ذكرها في الكتاب المقدس عندما طرد السيد المسيح الأرواح الشريرة من جسد رجل وأدخلها في قطيع من الخنازير. 



    عرفت أم قيس في القدم بتربتها الخصبة ومياه الأمطار الغزيرة التي تسقط عليها في الشتاء. كما اشتهرت بالطريق التجاري الذي يربط بين سورية وفلسطين بسبب موقعها الاستراتيجي.



     في العام 63 قبل الميلاد ضم القائد الروماني بومباي مدينة جدارا إلى المدن الرومانية العشر. وخلال أوائل فترة الحكم الروماني، كان الأنباط الذين بنوا البتراء وعاشوا فيها، يسيطرون على الطريق التجاري الواصل شمالاً حتى دمشق. لم تعجب تلك المنافسة مارك انتوني الروماني. فقام الأخير بإرسال الملك هيرودوس العظيم على رأس جيش ليقاتل النبطيين، مستهدفاً بذلك اضعافهم. وفي النهاية، تنازل النبطيون عن طرقهم التجارية في الشمال سنة 31 قبل الميلاد.


وتقديراً لجهود هيرودوس العظيم، قامت روما بمنحه مدينة (جدارا) التي حكمها حتى مماته.



     وصلت المدينة قمة ازدهارها في القرن الثاني الميلادي حيث انتشرت الشوارع المبلطة والهياكل والمسارح والحمامات فيها. وصار جوها يعبق بالثقافات المتعددة، فجذبت إليها الكتاب والفلاسفة والشعراء والفنانين والأكاديميين.



     انتشرت المسيحية بين سكان (جدارا) ابتداء من القرن الرابع الميلادي. وبدأ تراجع الازدهار في المدينة خلال القرن السادس الميلادي. وفي العام 636 ميلادية، وقعت قربها المصادمات بين القوات البيزنطية والإسلامية. وعلى الرغم من تلك الحروب، إلا أن المدينة لم يلحق بها الدمار.
الكنيسة



    تقع الكنيسة على الشرفة، وهي تعود إلى العهد البيزنطي، وهناك ساحة عامة حول الكنيسة. وهناك أيضا مثمن مركزي من الأعمدة، التي أخذت من احد المعابد الواقعة قبل الكنيسة، وهذه الأعمدة تدعم سقف الكنيسة المركزية.



 المسرح



    يوجد مسرحان في جدارا، وهناك بقايا المسرح الشمالي، وهو أكبر المسارح، ويمكن مشاهدته على رأس التلة بجانب المتحف. والمسرح الغربي والذي حوفظ عليه بعناية فائقة هو المشهد المميز لجدارا. وقد بني المسرح من حجر البازلت الأسود. ويعود تاريخ هذا المسرح إلى القرنين الأول والثاني بعد الميلاد. كما يمكن للمرء أن يرى في المسرح صفا من المقاعد المحفورة للشخصيات المهمة بالقرب من الأوركسترا.



    وفي الجهة المقابلة للمسرح،  يقع الشارع المبلط والذي يرجح أنه كان المركز التجاري للمدينة، وبالقرب من مسرح البازلت الأسود توجد الشرفة المعبدة والمبلطة التي توجد فيها ساحة للكنيسة الرئيسية، وبناء ثماني الشكل كبير الحجم تابع للكنيسة المركزية، وبناء ناتئ نصف دائري وهو بقايا الكنيسة ذات الثلاثة ممرات الواقعة بين الكنيسة المركزية والمسرح الروماني الغربي. وإلى غرب الفسحة التابعة للمسرح، يوجد مجمع للحمامات وقبور تحت الأرض تعود إلى العهد الروماني، بالإضافة إلى كنيسة تعود إلى العهد البيزنطي. كما توجد شرفة مدعومة بأبنية مقنطرة كانت تستعمل كدكاكين خلال الأزمنة الرومانية على مستوى أقل انخفاضا بقليل من مستوى الشرفة.



    وعلى بعد مئات الأمتار من المسرح، توجد آثار متناثرة غير واضحة الهوية لما عرف يوماً بمركز سباق العربات، ويليه الطريق الرئيسي الذي كان مركزا تجاريا للمدينة. وقد زينت الأعمدة المزخرفة جانبي هذا الطريق من العهد الروماني. أما حائط المدينة الذي بني في القرن الثاني قبل الميلاد، فقد تهدم قسم منه، ليعاد بناؤه في القرن الأول الميلادي.



مجمع الحمامات الرومانية



   يمكن مشاهدة آثار مجمع حمامات يعود إلى القرن الرابع الميلادي بالاتجاه شرقاً على طريق ترابية صغيرة تبعد حوالي (100) متر من تقاطع الشوارع المبلطة. وتستطيع أيضا الوصول إلى الأجزاء السفلية للحمامات بسلوك طريق ترابية مقابلة للمسرح الغربي. وهي حمامات رومانية تقليدية. وفيها غرف تحتوي على الماء الساخن والدافئ والبارد، وكذلك غرفة لتغيير الملابس. ويبدو أن هذه الغرفة قد توقف استعمالها في أوائل القرن السابع الميلادي.
 
   وعلى بعد حوالي (500) متر من الحمامات الرومانية تستطيع أن تجد نصباً تذكارياً رومانياً تحت الأرض، وقد تمت المحافظة عليه بعناية فائقه. ويقع خلف النصب التذكاري الصهريج المصنوع من حجر البازلت الأسود ( صهريج الماء السفلي). وهناك الدرجات التي تؤدي إلى القاعة الأمامية، وهي شرفة النصب التذكاري نفسه. وقد تم مؤخراً اكتشاف كنيسة كبيرة لها خمسة ممرات فوق النصب التذكاري. وتستطيع أيضا أن تشاهد القبور المحفورة من الصخور وهي منتشرة حول ضواحي جدارا، مثل قبر جيرماني وقبر موديستوس وقبر تشيرياس.



بوابة طبريا/ البوابة الغربية



   على بعد (800) متر من النقطة التي يتقاطع فيها الشارعان الرئيسيان المبلطان، تجد آثار البوابة الغربية للمدينة. وهذه الآثار عبارة عن أساسات البوابة التي تحيط بها أبراج دائرية تنتشر حول ( ديكومانوس). وعلى بعـد (400) متر من البوابة الغربية توجد بقايا بوابة على شكل قوس ثلاثي الأضلاع، وهي تمثل توسع حدود المدينة في النصف الأخير من القرن الثاني الميلادي.



   أما منطقة القبور، فمن اشهرها قبر كرياس الذي بني في القرن الأول الميلادي، وقبر مودستوس في القرن الثاني الميلادي. كما يوجد في المنطقة نفق حفره الرومان تحت تلة الاكروبوليس من اجل تزويد غرب المدينة بالمياه.



  أما الكنيسة البيزنطية والتي بنيت فوق قبر بيزنطي، فقد تحولت بعد الحملة الصليبية (ما بين 360 و370 ميلادي) إلى جامع للمسلمين. كما يوجد في حائط المدينة بوابة رومانية تعود إلى القرن الثالث الميلادي، بالإضافة إلى بوابة ثانية خارج هذا الحائط في آخر الجهة الغربية يعود بناؤها إلى القرن الثالث الميلادي.



متحف أم قيس



  يقع متحف أم قيس في بيت الروسان، وكان يستعمل في الأصل كمنزل للحاكم العثماني. ويعرض في هذا المتحف من ضمن الأشياء الأخرى التماثيل والفسيفساء والعملات المعدنية، وهي من ضمن الاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها في المدينة. كما يوجد فيه تمثال رخامي كبير لا رأس له، ويعود إلى ( تايكي ).



   زيارة مدينة أم قيس وآثارها تجربة تثرينا من كثرة الحضارات التي توالت على هذه المدينة من رومان وبيزنطيين ومقدونيين وأمويين وعثمانيين. كما تروي لنا بقايا هذه الحضارات قصتهم، ابتداء من المكدونيين الذين قاموا في البداية بتأسيس الاكروبوليس، مروراً بالرومان البيزنطيين والأمويين والعثمانيين.



   وللوصول إلى أم قيس، تستغرق الرحلة بالسيارة من عمان مدة ساعتين وذلك بأن يسلك السائح طريق وادي الأردن التي تتجه إلى الشمال أو طريق المرتفعات الجميلة التي تؤدي إلى جرش وبعدها إلى اربد. اتبع الإشارات ذات اللون البني طوال الطريق إلى أم قيس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock