أفكار ومواقف

أنماط سائدة ومتقبلة من التعصب الخطير

هناك أنواع من التعصب حظيت بالقبول لدى المجتمعات والأفراد برغم أنها لا تقل خطورة وضررا من أنواع أخرى لقيت رفضا ونفورا، وهي ظاهرة تحتاج إلى توقف متكرر ومتواصل، فقد تعودنا على سبيل المثال على رفض التعصب الجماعاتي الأيديولوجي والقومي والديني والوطني والشعبي المستمد من استلهام مبالغ فيه لفكرة أو قومية والانحياز لها والاشمئزاز مما سواها والاستعلاء على الآخرين المختلفين دينيا أو أيديولوجيا أو قوميا او مذهبيا.. وبالطبع فهو اتجاه فكري وفلسفي جميل وضروري لأن التسامح والعيش معا يقوم أساسا على تقبل جميع الأفكار والانتماءات والاتجاهات، ولكن هناك تعصبات خطيرة ومرضية تقوم عليها مؤسسات واتجاهات علمية وتخصصية متقدمة، وهي ما يمكن تسميتها التعصب العلمي والتعصب الأوليغاركي.
التعصب العلمي أو المعرفي هو السلوك المعرفي والاجتماعي المنحاز والرافض للآخر والذي تقوم عليه فئات علمية متخصصة من الأكاديميين والمهنيين المتعلمين غالبا تعليما متقدما أو الذين يتبؤون مواقع متقدمة في الأعمال والتخصصات والمهن القائمة على المعرفة والعلم، وتنشئ هذه الأنواع الأنيقة من التعصب اتجاهات فكرية ومهنية واقتصادية وسياسية منحازة ورافضة لاتجاهات وطبقات وأفكار أخرى، كما تنشئ انقسامات وصراعات اجتماعية وسياسية لا تقل تخلفا وخطورة عن تعصب الجماعات، وتفرض على الناس مواقف وقرارات وسياسات وتشريعات لم تتعرض للجدل والمقارنة والتنافس …
وفي التعصب الأوليغاركي الذي تمارسه مؤسسات دينية وعلمية وسياسية واجتماعية يتشكل شعور متقبل ومتواطأ على قبوله بأحقية فئات ومؤسسات في التفكير والقرار للناس والمجتمعات دون حق للآخرين في الاختلاف، هذا التوهم بحق الاتباع والتأييد والثقة الذي لا تتردد مؤسسات دينية واجتماعية بمطالبة الناس به ليس له أساس من الشرعية وليس حقا إلهيا أو طبيعيا لأحد أو فئة من الناس والطبقات، ولا يحق لأحد أن يطالب به ولا يناله أحد إلا بثقة الناس واختياراتهم الحرّة.
يصف أستاذ علم النفس الفرنسي برنارد شوفييه في كتابه “المتعصبون” هذا النوع من التعصب الذي يصفه بالامتلاكي أو الاحتكاري أو الأوليغاركي بأن القائد المؤمن المتعصب يمتلكه شعور بالحقيقة والصواب أنه يمثل الله أو أنه توحد به وصار تجسيدا للإله أو الحقيقة أو الصواب أو التقدم، وفي النموذج العلمي أو المعرفي والذي يسمى أحيانا “الفيثاغوري” نسبة إلى فيثاغورس الفيلسوف والرياضي اليوناني المشهور، يقوم التعصب على تقدير زائد للعقلاني، ولمكانة العقل – الحقيقة، والمبالغة في العقلانية المترافقة بالمنطق المركب لمجتمع اطلاع الأسرار، ويقود ذلك حتماً إلى تعصّب فريد، لا يختلف عن الأشكال الأخرى من التعصّب.
وضع فيثاغورس، في القرن السادس قبل الميلاد، أفكاراً لبقاء الجماعة قابلة للحياة والاستمرار بعد التأسيس، مثل المعرفة الدقيقة المتكونة والقابلة للنقل التدريجي، والقواعد الدقيقة الواضحة التي تتيح الاطلاع على الأسرار، وتكوين مجموعة نخبوية مغلقة على نفسها عرف طريقة عملها، وخضوع هرمي ومتدرج لقائد في مستوى القدسية، ومالك للحقّ الخير والجمال.
وسيطر فيثاغورس وجماعته على مدينة كروتونيا، وأنشأ نظاماً اجتماعياً دقيقاً وصارماً، ثم هاجم الفيثاغوريون مدناً أخرى؛ بهدف إقامة مجتمع مثالي ومنظم، ثم انشق سيلون، حاكم سيبارس التابعة للفيثاغوريين، عنهم، وأنشأ حركة ديمقراطية قضت على الفيثاغوريين، ودمّرت مدارسهم وأماكن اجتماعاتهم، لكنّ الجماعة الفيثاغورية ابتعثت بعد مائة عام، بقيادة الفيلسوف أرشيتاس؛ الذي مارس سلطة بلا منازع، ويقال إنّ أفلاطون التقى أرشيتاس في تارانتا، العام 388 ق.م، واستوحى منه نموذجه في سلطة الفلاسفة في المدينة المثالية، التي وصفها في كتابه “الجمهورية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock