أفكار ومواقف

“.. أن أحافظ على الدستور”

مالك العثامنة

وزير الاتصال الحكومي زميل محترم ومهذب وله محبته عندي كما عند كثيرين من أهل الصحافة الأردنية بشخصه الدمث، لكن بصفته الوزارية فهو مسؤول أمام الجميع في كل ما يقوله او ينطق به، خصوصا أنه الناطق الرسمي باسم الحكومة نفسها، مما يجعلني أقف كثيرا أمام ما يقوله من منطلق المراقبة والمتابعة وقياس اتجاهات الدولة.

في مقابلته على التلفزيون الأردني في برنامج ستون دقيقة، والتي وصلتني “نصا” وتناقلتها وسائل الإعلام كما تصيدتها “وسائل التواصل الاجتماعي” يقول كلاما خطيرا يستوجب التراجع فورا والتصحيح ضمن سياق الدستور الذي يحكم الجميع بلا استثناء، وحتى لا ينتشر كلامه كفكرة تبريرية يتم إلقاؤها دون أي اعتبارات وضوابط، وهو ما سيزيد من حالة الانفلات “الدستوري” في كل تفاصيل المشهد الأردني.

يقول الوزير (.. أن التعديل الوزاري هو تفويض جديد للحكومة)، وهذا ما لا يجوز قوله ولا اعتماده كفكرة أساسا.
بالعودة إلى الدستور “الناظم لكل ما يجب عمله وقوله في الدولة الأردنية”، فإنه وبالنص يتولى مجلس الوزراء إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية.

وما دامت الحكومة قد “كلفها” الدستور صراحة وأصالة بالقيام بتلك الإدارة الداخلية والخارجية فممن يكون التفويض؟ فالنص الدستوري هنا يضع الإدارة “كلها” واجبا دستوريا كامل الاستحقاق وليس تفويضا من أحد!

وفي حال قبلنا بفكرة التفويض فسنتوغل بتبعات هذا التشويه بالضرورة فيما بعد، فالحديث عن تفويض يعني ان هناك صاحب اختصاص أصيل، مما يعني وضع الملك في هذا الموضع مما يجعل الحكومة مفوضة عنه، وهذا بالإضافة إلى انه قلب لهرم الدستور بالكامل، فسيؤدي إلى نتيجة تحميل مسؤولية الفشل والإخفاق في أي مفصل على الملك، لأن التفويض – حسب الفقه القانوني- يضع المسؤولية على الأصيل لا المفوض عنه.

فهل إذا قصرت الحكومة “وهذا وارد وطبيعي” يكون الملك هو المسؤول؟

الا يخالف ذلك النص “الدقيق جدا ” بأن الملك مصون عن كل تبعة ومسؤولية؟ وهو نص دستوري يحمي الملك والعرش بصيانته كملك من كل تبعة ومسؤولية. لم يقل النص أنه غير مسؤول، بل كان نصا حكيما وحصيفا في استخدامات اللغة بدقة فقال “إنه – الملك- مصون من كل تبعة ومسؤولية”، مما يعطي الإيحاء بأن التبعة والمسؤولية لهما إيحاء سلبي كأعباء غير محمودة فقرر الدستور ان “يصون” الملك منهما.

أتفهم منطلقات الوزير “الناطق الرسمي” ومن هنا أدعوه إلى مراجعة تصريحه قبل استفحاله كمنصة “تبرير” يلتقطها من يريد تسديد الرميات أو يتصيد الأخطاء.

أخطر ما يواجه الأردن، وقد واجهه بالفعل وما يزال، هو استباحة الدستور وتمييعه، ولا أتحدث هنا عن الوزير المحترم الذي أدرك كامل نواياه الحسنة ولا أشك لحظة باحترامه للدستور، لكن النوايا الحسنة كما قيل هي الحجارة التي ترصف الطرق إلى الجحيم، وما أزال أذكر نموذجا لنائب “افتراضا هو من يقوم بالتشريع” حين صرح على الشاشة قبل عام تقريبا أنه مستعد ان “يدعس على الدستور من أجل الملك”!

لن أقول “متناسيا او غافلا” بل “جاهلا” أن الدستور الذي يتحدث عنه “المشرع افتراضا” هو الذي يحمي الملك والعرش، ومصلحة الملك كلها أساسا تكمن في صيانة هذا الدستور الذي يقسم المسؤولون “بما فيهم النواب والوزراء” على الحفاظ عليه.

المقال السابق للكاتب

إصلاح منظومة الأبجد هوز

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock