أفكار ومواقف

أن تكون كاتب مقال

قبل أكثر من عشرين عاما، حظيت بأن أكون محررا لصفحتي مجتمع يوميتين في جريدة “الرأي”، وهما صفحتان غنيتان كانتا تطرحان العديد من القضايا الملحة. كان يكتب في إحداهما مقالا يوميا الكاتب المعروف والبرلماني والنقابي السابق فخري قعوار، بينما يتداور كتاب آخرون على الصفحة الثانية على مدار الأسبوع.
خلال عملي محررا للصفحتين لم يغب مقال قعوار في أي يوم. فقد كان حريصا على الكتابة باستمرار، طارحا العديد من القضايا التي كانت تصله عبر البريد، فيتابعها ويتعرف عليها، ثم يكتب عنها.
ثلاث مرات كانت هناك تحفظات معينة على مقاله، فكنت أهاتفه معتذرا لصعوبة النشر. وفي كل مرة كان يسارع إلى القول “سأبعث لك مقالا جديدا خلال وقت قصير”.
وقتها كانت المقالات يتم إرسالها عبر الفاكس، وهي بذلك تحتاج إلى طباعة وتدقيق لغوي وتحرير.
في ثالث مرة قلت له إنني أستطيع أن أنشر بعض الأخبار في مكان مقاله إن لم يرغب بإرسال مقال. عندها، ضحك ضحكة طويلة، وقال لي ما معناه: “أنت شاب وتعتبر الكتابة وظيفة، وسبيلا للعيش. الكتابة مهنة محترمة، وأن تكون كاتب مقال يومي فهذا يعني أن بينك وبين القراء عهدا لا ينبغي أن تقطعه”. وتابع “القراء يا صديقي يثقون بك، ويثقون بأنك تستطيع أن تحمل همومهم وأفكارهم وتطلعاتهم”.
كان بريد أبو انيس يصل إلى الجريدة، وكنت أنا من أتسلمه. نعم؛ كان هناك آلاف الأشخاص الذين يتابعون ما يكتبه الرجل، ومئات الأشخاص الذين يرسلون إليه بشكل دوري لبثه شكاواهم. ولم يقصر قعوار مع أي أحد منهم، فقد كان يعمد إلى عرض شكاواهم في زاويته، ويدافع عمن يرى أنه غبن أو ظلم، سواء كان شخصا أو منطقة.
أبو أنيس اليوم يعيش في مرحلة ضبابية لا يتبين الكثير من جوانبها بعد أن ابتلاه الله بالمرض. واجبنا أن نقول إن طودا عاليا كان يكتب زاوية يومية، وكان مؤثرا بطريقة استثنائية استطاع من خلالها أن يغير قرارات وينصف أشخاصا ليس لهم سند سوى قلم حر لم يدخر جهدا.
في الوقت الراهن، هناك مئات المقالات تنشر يوميا في وسائل الإعلام المحلية المختلفة، ورقية وإلكترونية. وبعضها تكتب بواسطة كتاب ملتزمين بهموم الشارع، ويحاولون أن يعبروا عن الفئات المهمشة والمسحوقة. لكنني حتى اليوم ما أزال مأخوذا بالمنطق الذي تحدث به فخري قعوار قبل سنوات بعيدة، وبالتأكيد ما أزال ممتنا لتلك النصيحة التي أزجاها كاتب وطني كبير مثله لشاب صغير مبتدئ كان يرسم أولى خطواته في عالم الصحافة والكتابة الصحفية.
أبو أنيس.. شكرا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock