آخر الأخبار حياتناحياتنا

أهال يقفون عاجزين أمام توفير العلاج الطبيعي لأبنائهم من ذوي الإعاقة

واقع صعب يغيب حقوقهم ويبدد أحلامهم ويحد من إمكاناتهم

ربى الرياحي – ما بين واقع صعب تغيب عنه الحقوق وحلم بريء يوقظ فيها اللهفة للذهاب إلى المدرسة؛ تقف الطفلة باسمة ذات السبعة أعوام مقيدة بعوائق مادية وأخرى حقوقية وهي لا تجد ما ينصفها.

إصابتها بالشلل الدماغي منذ الولادة حرمها من أن تعيش طفولتها كما تحلم، وزاد من تلك الأعباء وضع أسرتها المادي الصعب لتبقى أسيرة كرسيها المتحرك خلف جدران بيتها بعيدة عن الحياة التي تحبها وتأبى أن تحياها كطفلة يسكنها الأمل والفرح.

تقول أم باسمة؛ “لم أعد أتحمل أن أرى ابنتي تذبل أمامي من دون أن يكون هنالك حل ينقذها من الألم النفسي والجسدي الذي تعيشه وقلة المال. تبين الأم أن زوجها عامل مياومة وأغلب الأيام لا يجد ما يشتغله. المعاناة ليست معاناة باسمة وحدها فهناك عائلات بأكملها تعاني نتيجة وجود ابن أو أكثر بحاجة لعلاج طبيعي يحسن من حالته الصحية ويجعله أكثر قدرة على خدمة نفسه.

تقول “أصعب شعور هو العجز وأن نقف نحن كآباء وأمهات أمام أبنائنا مكتوفي الأيدي ننظر إليهم بحسرة لا نملك أي خيار لمساعدتهم والتخفيف من معاناتهم”.

محاولات كثيرة تبذلها أم باسمة حتى اليوم رغم أنها لم تجد أي صدى حتى الآن لكل ما تفعله من أجل ابنتها وتوفير العلاج لها. كل ما تريده أن تحقق حلم ابنتها وتلحقها بإحدى المدارس لأجل ذلك قامت بعمل مشروع لباسمة تجمع من خلاله تكاليف العلاج الطبيعي الذي يعد عبئا ثقيلا بالنسبة للكثير من الأهالي ممن يعيشون الوضع نفسه. لكن الغريب أن كل تلك الجهود حسب قولها لم تثمر عن شيء ولم تحظى ابنتها بأي دعم وتتساءل هنا بأي ذنب تحرم ابنتها من الذهاب للمدرسة كبقية الأطفال؟

الكثير من حقوق ذوي الإعاقة ضائعة، والتحديات والمشكلات التي تحيط بهم من كل اتجاه، ولا يجدون لها حلولا جادة تعيد إلى قلوبهم الأمل بأن القادم سيكون أفضل وأن الواقع سيصبح أكثر تقبلا وتفهما لمشاعرهم واحتياجاتهم أشخاص يوضعون على قائمة التقصير ويسلبون أحلاما لطالما تمنوها واقعا.

صورة لأب يبحث في كل مكان عن عمل ليؤمن لابنه ثمن جلسات العلاج الطبيعي التي باتت ترهقهم ماديا كأهال، وصورة أخرى لأم تنتظر الفرج بعد أن استنفذت كل المحاولات لتدريس ابنتها وإخراجها من عزلة أجبرت عليها لم تكن باختيارها أبدا. وعلامات استفهام كبيرة حول قصص لأناس يبحثون عن بقعة ضوء يرون من خلالها الحياة ويستطيعون أن يلمسوا العدل على كل الأصعدة.

الشعور بالعجز هو ما يكبلها ويزيد من قهر وحزن أم لؤي، التي تعاني مع ابنيها المصابين بالشلل الدماغي، فهي ترعاهما وحدها بعد تخلي الوالد عنهم كأسرة. وبصوت تخنقه الدموع تروي معاناتها مع مراكز العلاج الطبيعي، مبينة أن ابنيها وبسبب وضعهما الصحي الخاص يحتاجان لاهتمام أكبر، وهذا ما لا تجده في المراكز الحكومية التي تخصص جلسة واحدة أسبوعيا للشخص المريض بغض النظر عن صعوبة وضعه واحتياجه أكثر من غيره لجلسات مكثفة من شأنها أن تساعده.
أما بالنسبة للمراكز الخاصة، فتؤكد أم لؤي أن الرعاية فيها أفضل، لكن التباين الواضح في أسعارها يجعلها حلما بعيد المنال بالنسبة لعائلات أنهكها الفقر. تقول؛ “أفكر فيهما باستمرار لدرجة أن هذا الأمر بات ينعكس على صحتها ويبقيها خائفة طوال الوقت بسبب تدهور حالة ابنيها التي باتت تسوء يوما بعد يوم فالجلسات التي يتم تأمينها لهما من خلال المستشفيات الحكومية لم تعد كافية، ما يرغمهم اليوم على البقاء في البيت طوال الوقت خاضعين لظروفهم الصعبة.

ومن جهته يوضح رئيس اختصاص التأهيل والطب الطبيعي في وزارة الصحة الدكتور مروان الطاهر أن مراكز العلاج الطبيعي الحكومية توجد في المستشفيات الحكومية والخدمات الطبية المنتشرة في المحافظات، لكن هناك بعض الإجراءات التي قد تتسبب في تذمر الأهالي ممن لديهم أبناء يعانون من الشلل الدماغي أو حتى الإعاقة الحركية، مضيفا أن هؤلاء بحاجة لعلاج طبيعي ووظيفي لتأهيلهم وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم.

الإجراءات التي تعيق الأهالي، وفق الطاهر، تأخر المواعيد والانتظار على الدور وأيضا قلة عدد الجلسات نتيجة الضغط الواقع على المستشفيات، مشيرا إلى أن المراكز التابعة للمستشفيات الحكومية تهتم بأكثر من جزئية في هذا الموضوع كتوفير الأطراف وتركيبها وتأمين الجبائر وتقديم برامج تأهيلية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة عدد المراجعين المحتاجين لمثل هذه الخدمات.

ويبين الطاهر أن الأسعار في المراكز الخاصة متفاوتة جدا أما بالنسبة لمراكز القطاع الحكومي فالأسعار معقولة وخاصة للأشخاص المؤمنين، مشددا على ضرورة مراعاة ظروف الناس وتقدير العبء الاقتصادي الكبير الذي يزيد حتما من عجزهم أمام أبنائهم بالإضافة إلى أهمية تشديد الرقابة من قبل وزارة الصحة واعتماد تسعيرة محددة.

أما ريماس ابنة الـ 10 سنوات فتجلس كل صباح على شرفة بيتها الصغير ترقب بعينيها الحزينتين مشهد الطلبة وهم ذاهبون لمدارسهم، وتساؤلات كثيرة تدور في رأسها من دون أن تجد جواب يقنعها.

يقول والد ريماس أن إصابة ابنته بالشلل الدماغي لا يعني أن تحرم من دخول المدرسة 4 سنوات فهي تتمتع بذكاء حاد ومن حقها أن تدرس كغيرها، لكن حالتها الصحية تتطلب جلسات مكثفة من العلاج الطبيعي.

ويلفت إلى أن جلسات العلاج الطبيعي تحتاج لمبلغ كبير، هم كعائلة متواضعة غير قادرين على تأمينه، الأمر الذي يزيد من شعوره بالذنب وخاصة كلما رأى ابنته تبكي، كما أن التأخر في علاج مثل هذه الحالات يزيد الوضع سوءا ويجعل إمكانية الشفاء أصعب.

ويبين اختصاصي العلاج الطبيعي حسن جلال أن التدخل المبكر في مثل هذه الحالات مهم جدا إذ يوفر الكثير من الوقت والجهد ويرفع نسبة الشفاء. وتختلف درجة الإصابة من حالة لأخرى فهناك البسيطة والمتوسطة والشديدة.

وبحسب قول جلال، فإن الإصابة بالشلل الدماغي أو ضمور العضلات أو تصلب في الأطراف العلوية أو السفلية وغيرها من الأمراض الأخرى التي تؤثر على الحركة؛ تفقد الأشخاص المصابين استقلاليتهم ويكونون غير قادرين على القيام بأنشطتهم اليومية بمفردهم لذا فهم بحاجة للتأهيل والتدريب لتقوية العضلات لديهم وإعطائهم طرق سهلة يستطيعون من خلالها الاعتماد على أنفسهم ولو بشكل جزئي.

ودور العلاج الطبيعي هنا، يتمثل في تمكين المريض من أن يكون أكثر استقلالية مع ذاته وذلك بمساعدة العلاج الوظيفي بحيث يتم تعديل البيئة من حوله لتناسب وضعه الصحي ويستطيع في المقابل التنقل حسب قدرته فخضوعه للعلاج الطبيعي ليس شرطا أن يصبح قادرا على المشي.

وحول الفرق بين العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي يوضح جلال أن العلاج الطبيعي مسؤول عن تقوية العضلات واسترجاع الحس العصبي، لكن الوظيفي مهمته هي تمكين العضلات من استعادة وظائفها بمساعدة الدماغ وأيضا يختص بالجوانب النفسية لدى مرضى التوحد والمتلازمات كمتلازمة داون.

ويلفت جلال إلى أن الإصابة بالشلل الدماغي قد تكون أثناء الولادة بسبب نقص الأكسجين أو تضيق في عنق الرحم أو نتيجة أمراض أخرى تعاني منها الأم، وقد تحدث الإصابة بعد الولادة كبعض الإصابات الناتجة عن السقوط.

ويؤكد جلال أن الحالة تختلف من شخص لآخر فهناك من يتأثر عندهم النطق والمشي والنظر بينما آخرين قد تقتصر الإصابة عندهم على الحركة فقط، ومن هنا فإن مدة العلاج تتفاوت أيضا بسبب شدة الحالة فبعض الحالات قد يستغرق علاجها سنوات، لذا فمن الضروري الحرص على المراجعات الدورية في العلاج الطبيعي حتى لا يحدث أي تراجع في الحالة.

ويرى الاختصاصي النفسي الدكتور علي الغزو أن العلاج الطبيعي أمر في غاية الأهمية بالنسبة لفئات معينة من ذوي الإعاقة ممن يعانون من الشلل الدماغي أو الإعاقات الحركية المختلفة، وهذا بالطبع يتطلب اهتماما أكبر بهذا الموضوع ومن جميع الأطراف.

ويبين أن السبب وراء تذمر الأهالي من المراكز الحكومية يرجع في الدرجة الأولى إلى تأخر المواعيد والانتظار على الدور، لكن هنا لا يمكن لوم أي جهة لأن الضغط الواقع على مثل هذه المراكز هو ما يجعل الخدمات المقدمة ليست بالمستوى المطلوب والكافي، فهناك كبار السن وأصحاب الحوادث وأشخاص من ذوي الإعاقة ممن يحتاجون لهذا النوع من العلاج.

ووفق رأي الغزو، فإن زيادة الطلب على هذه المراكز والتي تتبع في الأصل للمستشفيات الحكومية قد يؤثر على جودة الخدمات المقدمة من حيث عامل الزمن وتأخر المواعيد وأيضا قلة عدد الجلسات بالمقارنة مع مراكز القطاع الخاص التي قد تكون أكثر تخصصية ودقة من حيث الأجهزة والاهتمام. لكن العبء الاقتصادي هو ما يمنع الكثيرين من اللجوء إليها وتحديدا الأسر ذات الدخل المتوسط أو المتدني. في هذه الحالة، قد يقف بعض الأهالي عاجزين تماما عن إنقاذ فلذات كبدهم ومساعدتهم، ما يؤدي حتما إلى عبء نفسي كبير نتيجة عدم قدرتهم على توفير تكاليف العلاج اللازمة، وبالتالي يضطرون للجوء للمراكز الحكومية.

ووفق الغزو، هذا يدخلهم حتما في حالة نفسية صعبة بسبب شعورهم بالحسرة على أبنائهم، وتأنيب الضمير كما يظلون رهائن للقلق والتفكير المستمر، والمشكلة الأكبر إذا كان التأخر في الحصول على العلاج يترتب عليه مضاعفات خطيرة وتراجعا في الحالة المرضية للشخص. كما أن الأبناء أيضا يعيشون وضعا نفسيا صعبا سواء بسبب حرمانهم من الذهاب للمدرسة أو حتى الاندماج في المجتمع.

ومن وجهة نظر الغزو، فإن الحل هو تعاون الجميع بمن فيهم مؤسسات المجتمع المحلي والجمعيات الخيرية وأصحاب الأيادي البيضاء، وأيضا المراكز الخاصة والحكومية للوقوف يدا بيد مع أسر تحارب على أكثر من جبهة كل ما يهمها أن توفر لأبنائها حياة أفضل وأن تحقق ولو شيئا بسيطا من أحلامهم.

اقرأ أيضاً: 

“الأعلى لذوي الإعاقة” قدم 143 خدمة علاج طبيعي ونطقي في تموز

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock