أفكار ومواقف

أهل الكهف.. التهميش والاستهماش

“إن سبيل المرء الوحيد إلى معرفة الله هو أن يعرف نفسه” (إيستر كارت).
عندما قرأت مسرحية “أهل الكهف” لتوفيق الحكيم العام 1975، وكان عمري 13 سنة، ثم أعدت قراءتها العام 1981 في جلسة واحدة، داهمني شعور عميق بالحزن والسؤال عن المعنى والجدوى. كانت المشاعر ثقيلة جدا لم أحتملها، فرحت في نوم عميق طويل استمر من ساعة الغروب حتى اليوم التالي. وما تزال تلك الأفكار والأسئلة تراودني على نحو مؤثر ومحزن.
العائدون من الكهف مليئون بحب الحياة، لكن لم يجدوا حياتهم التي أحبوها. وعندما استوعبوا أنهم غابوا 300 سنة ولم يعد أحد من أحبائهم على قيد الحياة، لم يعوضهم الاحترام الكبير والتقديس الذي عوملوا به ولا التكريم في قصر الملك. عاد القديسون إلى الكهف ودفنوا أنفسهم.
تأخر أحدهم لأنه وجد ابنة الملك، بريسكا. واعتقد أنها بريسكا ابنة الملك أوقيانوس الذي كان يعمل في بطانته. كان الحوار مستحيلا بين الفتى العاشق والفتاة التي تراه قديسا بعثه الله بعد غياب 300 سنة. وعندما يئس من استمالتها، رجع إلى الكهف ولحق برفاقه الذين سبقوه. ولكن قبيل لحظة إغلاق الكهف وبناء مسجد على القديسين، تغير بريسكا رأيها؛ صارت تحب القديس وتلحق به إلى الكهف، ويحاولان الخروج من الكهف فلا يستطيعان. ويدفنان في الكهف، ويبنى مسجد على القديسين الحزينين المحبطين!
هذا ما يلح عليّ منذ قرأت المسرحية حتى اليوم، ويعاودني مثل حمّى “إذا وردتْ أصدرتُها، ثُمَّ إنها// تثوبُ، فتأتي مِن تُحَيْتُ ومن عَلُ”، كما يقول الشاعر الشنفرى.
الناس تمضي إلى الحرب والموت وتشارك في الانتخابات العامة وتكدح في الأسواق والمؤسسات لأجل أن يكون لحياتها معنى وجدوى، تبحث بحرقة عن الانتماء والمشاركة.
ولكن يلتبس المعنى ويضيع في أحيان كثيرة؛ فالإنسان في الأصل “فرد” يولد وحده ويعيش وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فالفردية هي الأصل والمعنى. والبحث عنه خارج الفرد عبث، هذا برغم الحاجة إلى الجماعات، ولكن الانتماء والمشاركة والمجتمعات، وما نشأ عن ذلك من قيم وأسواق ومؤسسات ليست غاية بذاتها؛ هي وسيلة لحماية الفرد.
القصة الأساسية للإنسان هي البقاء وتحسين البقاء ومواجهة التهديد والخطر، والإنسان وحده فردا مسؤول عن بقائه وسعادته وحماية نفسه مما يهدد حياته أو يشكل خطرا. وفي ذلك نشأت الأفكار والمشاعر والمعتقدات. ويتنازل الإنسان “الفرد” للسلطة والمجتمعات بمقدار حاجته الى الحماية، وليس لأجل المعنى أو الارتقاء، فالإنسان لا يرتقي بنفسه إلا وحده وبذاته، ويقترب ويشارك مع الآخرين مثل ما تحدد المجرات والنجوم والكواكب والأقمار موضعها ومداراتها؛ فتدور حول بعضها منها وتستتبع بعضها.. والبعض يفقد مداره ووجوده أيضا فيصيبه مثل ما يصيب شهاب تائه أو نجم يبتلعه ثقب أسود.. وكل في فلك يسبحون!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock