أفكار ومواقف

أوباما وترامب ورمال أميركا المتحركة

منذ نهاية عهد إدارة كلنتون، يمكن وصف الدور الأميركي في المنطقة بغير المستقر والمتراجع مؤسسيا، تطغى عليه الميول والقناعات الشخصية للرؤساء بشكل متزايد وتتراجع قدرة المؤسسات الأميركية في التأثير بالقرار. بوش الابن حول رصيد إدارته المتراكم بعد أحداث أيلول الإرهابية ليشن حربا كارثية على العراق آثارها الأمنية والعسكرية ما تزال حاضرة ليومنا هذا، ضاربا بعرض الحائط نصائح غالبية أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة، والتقييمات الإقليمية المؤسسية بشأن هذه الحرب وتداعياتها الاستراتيجية الخطيرة. النتيجة كانت معاناة العراق لسنوات طويلة قبل أن يستعيد عافيته، وإخلال خطير وعميق بالتوازن الشرق أوسطي.
ثم جاء أوباما، بعد انتخابات تاريخية لأول رئيس أميركي من أصول افريقية، ورفع سقف التوقعات وعين مبعوثا رفيعا للشرق الأوسط نجح في إنهاء الصراع المعقد في إيرلندا الشمالية، ولكنه أخفق في الشرق الأوسط وبزمن قياسي. أوباما كان مترددا ومتأرحجا في تعامله مع أزمات الشرق الأوسط، وقد طغت هذه الصفة على قراراته، وبدا لكثير من دول الإقليم حليفا لا يمكن بالضرورة الاعتماد عليه ويصعب التنبؤ بسلوكه خاصة بالأزمات. جاء بعد أوباما ترامب الذي يوصف أنه غير متردد وحاسم، ولكنه غير مؤسسي ومغرور ولا ينصت للمؤسسات وتقييماتها، وينصب جل اهتمامه بتنفيذ وعوده الانتخابية بشعبوية غير مدروسة ما جعل التعامل معه معقدا والتنبؤ بسلوكه لا يخضع لمنطق واضح.
رتب ذلك أعباء كثيرة على عديد من دول الإقليم ودول أوروبا أيضا، التي عانت من أحادية ورعونة بوش، وتردد أوباما، كما تعاني الآن من عدم القدرة على التنبؤ بسلوك الرئيس الأميركي وغروره.
لا يمكن بحال تجاهل الدور الأميركي الطاغي في الشرق الأوسط، ولكنه أصبح دورا مضطربا يميل للشخصانية أكثر من ميله للمؤسساتية، والدول تحاول بشتى الطرق التأثير بهذا الدور للحفاظ على مصالحها التي غالبا ما وقعت أسيرة لانحسار المؤسسية في اتخاذ القرار الأميركي في الشرق الأوسط.
دول الإقليم ودول أوروبا مضطرة لأن تتعامل مع سلوك رؤساء الولايات المتحدة وتأثيرهم الشخصي المتعاظم مع الملفات والأزمات، وهذا يفرض حكما، ضرورات التنسيق العالي بين الدول للتأثير الجماعي على القرار الأميركي، ويفرض أيضا، التحوط لاستمرار التغير في الدور الأميركي، وأن يوضع هذا الدور ضمن الحدود المتوقعة منه دون مبالغة.
العالم منهك وضجر من مشاكل الشرق الأوسط التي لا تنتهي، والتي تخرج تحت عناوين ومسببات ودرجات خطورة مختلفة، وما إن تنفرج أزمة ما حتى تبدأ دول العالم وشعوبها تطالب بالخروج من الشرق الأوسط لتعود مشاكل أخرى بالظهور مجددا. هذا هو حال إقليمنا منذ عقود، وبات لزاما أن يكون هناك ترتيبات إقليمية وتوازنات قوى تتعامل مع تحديات المنطقة، وتنهض بهذا الإقليم المنهار. أما الاستمرار بالانتظار لمساعدة أمنية من الخارج فسيأتي يوم قريب يقول لنا العالم أنتم أولى بحل مشاكلكم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock