ثقافة

“أوديسا العبيد- الهجرة في الرواية”.. ظاهرة إنسانية تلفت الأدب العالمي

عزيزة علي

عمان – يرى الناقد المغربي د.محمد أقضاض، أن الهجرة ظاهرة إنسانية ضاغطة في زمننا الراهن، وقد اعتنت بها الآداب العالمية بشكل أكبر من كل زمن مضى، وتعد الهجرة من أكبر المآسي بعصرنا الحالي نتيجة ما يعرف بالعولمة ونظام القطب الواحد والليبرالية الجديدة.
ويضيف أقضاض، في مقدمة كتابه “أوديسا العبيد- الهجرة في الرواية”، الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع “كتب حول الهجر العديد من الأدباء من أبناء المهاجرين أنفسهم وأهاليهم، وجميع هذه الكتابات تتقاطع في معاناة المهاجر عامة، سواء في بلده الأصل أو في بلد الاستقبال”.
الكتاب جاء في ثلاثة أبواب وكل باب يضم مجموعة من الفصول؛ الباب الأول يتناول “هجرة للدراسة”، ويتحدث عن: انطلاق المهاجر، والمهاجر في بلاد الاستقبال، والمرأة، والغربة والضياع، وتقنية البناء النصي وإخفاء المعنى، فيما يتحدث الباب الثاني عن “هجرة العمل”: في بلاد الانطلاق، والوصول إلى المهجر، والمرأة بين الفضاءين، الاختلاف والإدماج، الضياع والموت، البناء السردي، ويتناول الباب الثالث “أوليس الأفريقي” ويناقش: مأساوية المنطلق، رحلة العذاب والموت، حضور المرأة، بداية الوصول أو نهاية العبور، المصير الأخير، والبنية التركيبية للنصوص.
المؤلف يرى أن الرواية في العقود الأخيرة باتت تعالج مآسي الهجرة بطريقتها الخاصة، وشكلت تيارا أدبيا في الأدب العالمي، وتميز بطرق كتابة خاصة، وبتعدد اللغات: لغات المهاجر الأصلية، أو لغات البلدان المستقبلة، ولغات مركبة للنصوص، وتعدد الأجناس والتناصات والثقافات والبيوغرافيات، وبثيمات جديدة لم يعتن بها الأدب من قبل، ومركز تلك الثيمات هو العمق الإنساني للمهاجر.
ويقول أقضاض “بدأت الكتابة عن الهجرة مع بداية الألفية الثالثة وتطورت بسرعة خلال العقد الأول من الألفية إلى الآن، وكان الدافع لهذه الكتابات هو تنامي غرقى قوارب الموت في مضيق جبل طارق بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا، والحدث الأبرز في ذلك هو أحداث منطقة الإيخيدو بداية سنة 2000، التي حركت الوعي الإنساني في كثير من المثقفين الإسبان، الذين تعاطفوا مع ضحايا البحر وضحايا العنصرية في بعض المناطق من البلاد، ضد التمييز الاجتماعي”.
أما الرواية المكتوبة باللغة العربية، كما يبين المؤلف، فإن غالبيتها كتبها كتاب يعيشون في المهجر، مثل “علي أفيلال”، والآخرون اعتمدوا في كتابتهم على ما يعرف بـ”التخييل الذاتي”، يوظفون شخصيات تخييلية، لكن الأحداث والأفعال والعواطف منتزعة من تجربة الكتاب أنفسهم.
ويوضح أقضاض “تحاط هذه الروايات بلقطات من الحياة الشخصية/الكاتب في بلادها/ـه بصعوباتها وبالحنين إليها إلى مراتع الطفولة والذكريات، وأيضا لقطات من حياتها/ـه في البلدان المستقبلة عبر أنواع من الصدمات الحضارية/الثقافية وعبر رؤية أبناء البلدان للشخصيات الشرقية باعتبارها مركز الاختلاف وصعوبة الاندماج، الشخصيات غربتها وتمزقها واختلاف ثقافاتها وسلوكاتها”.
المؤلف يشير إلى أن هذه الروايات تتخذ في البعد السردي أحيانا الطريقة النهرية، التي تجعلها كلاسيكية أقرب إلى الحكاية في أسلوب بسيط، كما الروايات التي كتبت في الثلاثينيات التي كتبها “طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأحمد أمين”، ثم توالت الروايات السيرية مع الجيل الأول من الكتاب العرب، ثم الجيل الثاني من الكتاب من أمثال رواية “الحي اللاتيني”، لسهيل إدريس في العام 1953، “موسم الهجرة إلى الشمال”، للطيب صالح، ثم استأنف كتابات شبيهة بها.
وخلص أقضاض إلى أن الرواية التي اتخذت من الهجرة ثيمة رئيسية لها في واقعيتها وشخصياتها المتخيلة، تمثل صورا للشخصيات الحقيقية، وهي واقعية غريبة عن الواقعية الكلاسيكية، وليست مجرد صور فوتوغرافية أو تسجيلية للواقع أو انعكاسية مرآوية، وتجلت الواقعية في أشكال الرواية، ببعض تعقيداتها، مثل توظيف العديد من التقنيات مثل: تعدد الساردين والقصص القريبة من أوتوبيغرافية، والتناصات الكثيرة الأدبية والفنية والفكرية، واللغات المركبة باللغة المهيمنة، كلها تقنيات جديدة تطلبها السياق الحضاري والثقافي المعاصر وتغير مستويات وأذواق محفل التلقي، تقنيات توحي إلى الذهنيات والثقافات والقناعات التي يفرضها السياق الزمني للكتابة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock