أفكار ومواقف

“أوسلو” وتجاهل أساسيات الصراع..!

ثمانية وعشرون عاما مرت هذا الأسبوع على توقيع اتفاقية أوسلو بين فلسطينيين والاستعمار الصهيوني. أقول «فلسطينيين» بلا أل التعريف لأن تلك الاتفاقيات لم تعبر عن إرادة معظم الفلسطينيين، بل وضربت في العمق قناعاتهم وثوابت مشروعهم الوطني التحرري. لا يمكن أن يوافق أصحاب 87 في المائة من فلسطين التاريخية على التنازل عن أرضهم –وفلسطينيتهم- لعدوهم الاستعماري. وحتى «الوعد» الذي حملته الاتفاقية بتأسيس شبه دولة فاقدة الأهلية والصلاحيات وسبل الحياة لم يتحقق وتكشف وهمه مبكراً. ومع ذلك، استمرت «أوسلو» كل هذه الفترة كشيء ساعد العدو فقط على إدارة الصراع وتعقيد حله كل يوم.
كان الاسم الرسمي لاتفاقية أوسلو هو «إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي». وبذلك، فإن «الحكم الذاتي» الذي افترضته الاتفاقية –على بعده الفادح عن أي مفهوم لتحرير فلسطين- انتقالي بالتعريف. و»ينص إعلان المبادئ على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية (أصبحت تعرف فيما بعد بالسلطة الوطنية الفلسطينية)، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات، للوصول إلى تسوية دائمة بناء على قراري الأمم المتحدة 242 و338، بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية».
وبذلك، حسب أي مفهوم قانوني وعملي ووطني وأخلاقي، تكون الاتفاقية لاغية، هي ونواتجها، لعدم وفاء الأطراف بشروطها. وينبغي لأي متعاقد أن يدرك سوء نوايا الفريق الآخر إذا لم يلتزم بالمواعيد النهائية ويمزق العقد. هذا هو الطبيعي الذي يمليه احترام الذات وتحريرها من الاستغلال والوهم. كان ينبغي أن يعني مرور خمس سنوات على الاتفاقية من دون التسوية بناء على قرارات الأمم المتحدة بحلول السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، فشل المشروع والانسحاب والبحث عن شيء آخر. وعندما لم يحدث ذلك، لم يقتصر الأمر على توقف حركة الفلسطينيين التحررية، وإنما تراجعها المستمر مع تقدم المشروع الاستعماري-الاستيطاني والمزيد من ترسيخه. وسوف يكلف تخلص الفلسطينيين –عندما يعاودون النهوض ذات يوم- من «أوسلو» وعواقبه الكثيرة من العناء الإضافي.
كان عيب مشروع أوسلو من البداية تجاهله للشرط الأساسي الذي يحكم صراع الفلسطينيين مع الاستعمار الصهيوني: أنه صراع وجودي لا يحتمل القسمة على اثنين. وعنوانه بلا مواربة هو: إما فلسطين أو «إسرائيل». وفي الحقيقة، اختار العدو أن يخوض مغامرته على هذا الأساس ولم يخجل من إعلان ذلك على لسان قادته. وقد استبعد هؤلاء من البداية خيار التعايش والاندماج، وقرروا أن وجودهم على هذه الأرض يتطلب إلغاء أهلها وتطهيرهم عرقيا وأخذ ممتلكاتهم وشطب تاريخهم. ومن البديهي أنك لا تستطيع أن تخوض صراعا مع عدو هذا مشروعه على أساس قبوله من الأساس، أو التخلي عن أجهزة وجودك الحيوية بادعاء أنك تقبل العيش دون كليتين، أو يدين، أو قلب أو رئتين. إنه «وجود» أفضل منه الموت.
ربما يكون عنوان «صراع وجود» لوصف اشتباك الفلسطينيين مع الغزاة الصهاينة كبيراً، لكن إدارة الوجه عنه لا تلغي حقيقته. وكما تبين، فإن أي طريقة للتعامل معه على أنه أقل من ذلك لم تحقق للفلسطينيين أي مكاسب عملية ولا عاطفية. ومن نافلة القول إعادة سرد المكاسب التي حققها العدو كل يوم منذ أوسلو كخسائر صافية للفلسطينيين. ولعل أكبر هذه الخسائر هي ترسيخ تعريف يتنكر للواقع والتاريخ والأخلاق لفلسطين: أنها 22 في المائة، قابلة للتخفيض، من الأرض على ساحل المتوسط.
كما يبدو، سوف يواصل فلسطينيون –مع وجاهة الشك في فلسطينية مَن يمكن أن يسلِّم بتسليم أي شبر من فلسطين التاريخية- إعاقة المشروع التحرري الفلسطيني وتسويق الوهم الذي يكشف عن كونه كذلك طوال عقود. وسوف تعود إلى تحت الشمس –متأخرة بكلفة الدم والدموع- حقيقة وجودية الصراع القاسية كما هي، وإنما الحقيقية جداً كما هي. وسيكون الفلسطينيون معنيين بخوض صراعهم على هذا الأساس الذي لا يصمد غيره؛ أن يعرِّفوه علناً بما هو وأن لا يخجلوا أو يترددوا في ذلك؛ وأن يجترحوا الوسائل لجعل قضية وجودهم قابلة لأن تُكسَب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock