أفكار ومواقف

أوقفوا الهدر المالي

أذكر جيدا في العام 2002 عندما تحدث حينها وزير المالية الدكتور ميشيل مارتو في معرض نقاشه حول الموازنة العامة وقتها بأن مستشفى الملك المؤسس الذي انتهى العمل به قبل اشهر بكلفة اجمالية تناهز الـ135 مليون دينار، بواسطة قرض من الصندوق الكويتي للتنمية، والذي يعتبر من اكبر وأحدث التصاميم للمستشفيات في الشرق الأوسط لا يوجد به سوى طابقين فقط عاملين ومخصصين لحالات الولادة فقط .
حديث مارتو حينها في حسرة على كيفية إدارة الحكومات لأموال دون فائدة يتلمسها المواطنون، فالأصل ليس أن يكون لدينا في كل محافظة جامعة ومستشفى وغير ذلك من منشآت تحتاج إلى كم كبير من النفقات التشغيلية، لكن الأساس هو أن تركز الدولة أولاً على إصلاح الموجود لديها والنهوض بالخدمات المتوفرة والارتقاء بها.
للأسف، الغالبية في اتجاهات التمويل للمشاريع على مدى السنوات الماضية كان باتجاه أفقي ناتج على تلبية مطالب خدمية للقوى النافذة والنواب وغيرهم من الذين مارسوا أشكالا مختلفة من الضغوطات على الحكومات التي استجابت لهم وأنفقت مئات الملايين على مشاريع لم تمتلك فيما بعد القدرة التمويلية لاستدامتها، وهو ما جعل مستوى الخدمات العامة في كثير من القطاعات الحكومية في ادنى مستوياتها ولا يتناسب ابداً مع الحجم الهائل لعدد المرافق المتوفرة والمنتشرة في مختلف محافظات المملكة.
نعم نحن في الأردن لا ينقصنا شوارع ولا مستشفيات ولا مدارس أومرافق صحية، ينقصنا النهوض بالموجود لدينا، فلو أن الأموال التي أنفقت في المشاريع الجديدة أنفقت على الموجود حاليا من خلال إصلاح ما هو قائم وتوفير الكوادر التشغيلية لتلك المرافق والأجهزة ومستلزمات استدامتها لما سمعنا عن ظاهرة النقص الشديد في كل مرافق الدولة سواء الصحية أو التعلمية أو الخدمية.
حالات الهدر في استخدام موارد الدولة لا تعد ولا تحصى، والمنحة الخليجية واحدة من الأمثلة الصارخة على فقدان القدرة التنظيمية في الإنفاق الرشيد، ففي الوقت الذي حصلت به المغرب على ذات المنحة واستخدمتها فقط لتمويل وتحديث قطاع النقل لديها وهو ما جعل اليوم المغرب تمتلك أفضل شبكة سكة حديد في المنطقة، لم نجد في الأردن مشاريع لتمويلها وتأخر صرف المنحة لأكثر من عام لحين إعداد بعض دراسات الجدوى لعدد من المشاريع، ومع ذلك كله أنفقت الحكومات ما يقارب المليار دينار من أموال المنحة البالغة (3.76 مليار دولار) على تعبيد طرق وخلطات اسفلتية ليس لها أي قيمة مضافة على الاقتصاد، فهل يعقل أن تنفق الدولة هذه الأموال من المنحة دون ان يتحرك النمو الاقتصادي ايجابا كما هي الأصول، بل العكس يتراجع النمو(1.8 بالمائة في المعدل) .
على الحكومة ممثلة بوزارة المالية تحديداً وقف الهدر في المال العام من خلال مراجعة بنود الاتفاق، ووضع خطة شاملة لهذه الغاية تتضمن:
1 – تحسين أنظمة العطاءات الحكومية وإجراءاتها، بحيث لا يتم طرح أي مشروع لا تتوافر له مخصصات مالية، أو طرحه قبل استكمال الدراسات الفنية والهندسية اللازمة لتنفيذه، مع الحد من الأوامر التغيرية، والتنسيق مع الوزارات الأخرى للتأكد من اكتمال عناصر المشروع قبل البدء بتنفيذه.
2 – توحيد المشتريات الحكومية، وفي الوقت ذاته تطوير نظام متابعة مخزون المستودعات الحكومية لوقف عمليات الشراء غير الضرورية.
3 – التأكد من أن أولويات الإنفاق العام تخدم الأهداف الوطنية من حيث تحقيق التنمية الاقتصادية، والتشغيل للأردنيين، وتقديم الخدمات للمواطنين بكفاءة عالية ونوعية مميزة.
4 – الحد من الإعفاءات الضريبية وقصرها على المشاريع التي تحقق الأهداف والأولويات الوطنية .
خطة مراجعة الإنفاق رديف أساسي لوقف الهدر المالي في اجهزة ومؤسسات الدولة، وهو يبعث برسالة إيجابية للمراقبين في الداخل والخارج معا بأن الاصلاح هو سلوك مؤسسي وليس وليد لحظات عابرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock