أفكار ومواقف

أوكرانيا وقواعد العمل الدولي

د. محمد حسين المومني

الاجتياح الروسي لأوكرانيا شكل خروجا على قواعد العمل الدولي المعمول به منذ نهاية الحرب الباردة. هي المرة الثانية التي يحدث فيها هكذا خروج بعد اجتياح العراق للكويت العام 1991.

الفرق بين الحالتين كان في طبيعة مواجهة ما حدث نظرا للاختلاف بين العراق وروسيا، ففي حالة الاولى تجمعت دول العالم لإخراج العراق عسكريا من الكويت، أما في حالة روسيا ونظرا لقوتها العسكرية فقد تم الاكتفاء بمواجهة غير مباشرة وفرض نظام عقوبات اقتصادية وتكنولوجية.

مقارنة اخرى مفيدة تلك التي بين سلوك روسيا الذي قرر الخروج عن قواعد العمل الدولية، وبين سلوك الصين الذي يعمل ضمن قواعد اللعبة الدولية لا ينحى للمواجهة والاصطدام رغم القدرة عليها، وقد رأينا ذلك في امثلة حية لتعامل الصين مع ملف هونغ كونغ وملف تايوان.

قواعد العمل الدولية اقرها العالم بشبه اجماع في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. قبل ذلك كانت القواعد الدولية تقوم على ثنائية القطبية والاهداف محددة بوضوح وهي تدمير امبراطورية الشر الشيوعية السوفيتية.

اما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فقد غدت قواعد العمل السياسي تقوم على التعددية التي دعمها ورسخها بوش الاب (عكس بوش الابن في غزوه احاديا للعراق عام 2003)، وتقوم ايضا على عدم السماح للدول الكبيرة ان تأكل او تغزو الدول الصغيرة كما فعل العراق بالكويت، واخيرا فهي تقوم على ضرورة احترام قواعد العمل الدولي الذي تنظمه وتحكمه تفاهمات ومنظمات دولية متخصصة.

الجديد على هذه القواعد منذ عهد اوباما هو التخلي عن اسلوب تغيير الانظمة، او محاولة بناء الدول على نمط ليبرالي غربي، فذاك فشل في العراق وافغانستان وليبيا.

ما حدث في اوكرانيا خروج عن قواعد العمل الدولي، والذهاب لاستخدام القوة العسكرية من اجل فرض او ايقاف توجه او واقع ما.

هذا ليس امرا سيمر دون تكلفة وان لم تكن على شكل مواجهة عسكرية. التكلفة التي ستتكبدها روسيا جراء اجتياح اوكرانيا كبيرة اقتصاديا وتكنولوجيا سوف تضعف روسيا، وبالتالي حضورها على المستوى الدولي.

الاجتياح ايضا يعني ان روسيا اخفقت في توظيف ادوات سياساتها الخارجية الاخرى من اجل زيادة قوة تأثيرها وربما تطويع اوكرانيا.

ادوات الدبلوماسية والاقتصاد والاعلام والثقافة كانت ستكون فعالة في اقناع اوكرانيا بالوقوف على حالة حياد وعدم المغامرة والتعنت بالانضمام لحلف الناتو. روسيا لم تحسن توظيف هذه الادوات والنتيجة خسارة لها وخسارة لاوكرانيا.

التقديرات تشير ان الازمة ستنتهي ضمن تفاهمات ثنائية بين البلدين روسيا واكرانيا، والطرفان تعلما الشيء الكثير مما حدث، ولكن من غير المتوقع ان ترتفع العقوبات التي فرضت على روسيا جراء الاجتياح.

روسيا وضعت نفسها في موقع العدو للغرب القوي، الذي يصنفها الآن تهديدا مباشرا، ولذا فسوف يستمر بالعمل على اضعاف بوتين بالتحديد ومؤسساته، وهذا سيكون استكمالا لما انتهت اليه الحرب الباردة التي اشعلها بوتين من جديد ولم تكن له مصلحة في ذلك.

المقال السابق للكاتب 

حروب التكنولوجيا والاقتصاد

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock