أفكار ومواقف

أول شتوة في عمان

  لم يكن يخطر ببال الشاعر عمر ساري وهو يعد كلمات الأغنية التي تجلت ديانا كرزون في أدائها أن عنوان الاغنية سيكون حديث العمانيين بعد ثلاث سنوات من تسجيلها. الأغنية رومنسية وإيقاعها هادئ وجميل؛ فهي تتحدث عن رائحة الأرض بعد نزول المطر ومعانقة الغيوم للجبال ورقص الزيتون والورد وخبز الطابون وكل الصور الوادعة الرومنسية التي يحبها الناس ويشعرون بها    بعد أول هطل مطري.
الأغنية التي التقطتها محطات الإذاعة والتلفزة الأردنية وأخذت تبثها كلما تساقطت الامطار، سواء كان للمرة الأولى أو في اواسط الشتاء وأحيانا في أواخر الموسم، أصبحت أغنية الشتاء بامتياز؛ فالمشاهد الواردة في الفيديو كليب المصاحب للاغنية تعكس صور الحياة العمانية في الصباح وفيها من الواقعية والتعبير ما يجعل المشاهد يستمتع في متابعتها ويشعر بألفة مع الصورة والكلمات. حتى يوم الخميس كانت الأغنية وكلماتها استمرارا جميلا للقصائد التي نظمها حيدر محمود وحبيب الزيودي وسعيد عقل وعلي عبيد الساعي وغيرهم ممن صوروا عمان بالمهرة الحرة والفتاة الجميلة المرخية لجدائلها فوق الكتفين ومدينة الحنا على حنا ومدينة الجمر والجاه.
ومع ان عمان ستبقى أجمل الجميلات إلا أن “أول شتوة في عمان” لهذا العام جعلت كلمات الأغنية والصور  التي  تصاحب الكلمات واللحن مختلفة كثيرا  عن ما علق في اذهان العمانيين عن مدينتهم  خلال الشتوة  الاخيرة، فقد شاهدوا  وللمرة الاولى صور السيارات التي تتدحرج  في الشوارع التي تحولت الى أنهار من الوحل، والمياه التي تتدفق من جدران المباني التي فاضت بها والأنفاق التي اصبحت مصائد مرعبة لمستخدميها لتطغى صور عمان  في شتوتها الاولى لهذا العام على صور باعة الكعك والقهوة، واشجار الزيتون والياسمين التي تتراقص فرحا بالمطر والعشاق الجالسين بقرب النوافذ يستنشقون رائحة الارض المبتلة. فالمطر كان وما يزال اجمل هدايا السماء الذي يبث الأمل في النفوس ويدعو للتفاؤل لكنه أصبح كابوسا لسكان المناطق المنخفضة ومستخدمي الشوارع وحراس العمارات واطفالهم.
في مدننا يعتبر الكثير من صناع القرار أن إدارة المدن مشيخة يتولاها اشخاص يظهرون قدرة هائلة على  تسويق انفسهم وقادرون على عمل المعجزات من خلال القصص التي يروونها عن أنفسهم،   فتسند لهم ادارتها مع مجالس يتسابق على عضويتها  سماسرة الاراضي والطامعون في تحسين اوضاعهم المادية من خلال عضوية لجان التنظيم وتسهيل مهام اربابهم ومحاسيبهم؛ فخدمة المواطن التي تراعي الكرامة والتسهيل والسلامة ليست اولوية الا بالقدر الذي  يظهر امام  عدسات التصوير، ليبيّن لأولياء الأمر ان القائمين على الادارة يقومون بعمل مهم وانهم خيار مثالي للمهمة.
لا أحد ينكر أن هناك ظواهر مناخية وحوادث تفوق القدرات الطبيعية للمؤسسات والإدارات والأجهزة لكن المشكلة عندما يتحدث المسؤول أكثر مما يفعل ويعد بأكثر مما ينفذ ويجيب عن اسئلة الناس بكثير من العناد والغطرسة والسفسطة التي لا مزاج للناس لسماعها.
النهوض بالإدارة العامة والتطوير الإداري لا يتحقق بالتشريعات والمواثيق واللجان والحديث عن النزاهة والشفافية والحاكمية وتكافؤ الفرص فحسب ولكنه يتحقق بسلوك الدولة التي تضع المسؤول أمام مسؤولياته الأخلاقية والإدارية والقانونية فترشيق الإدارة وتحفيز الناس يأتي من خلال المحاسبة السريعة السكوت على الأخطاء المتراكمة لأشخاص في مواقع عامة يدخل الريبة في قلوب الناس ويضعف مستوى الثقة بين المواطن والدولة.
قيادة المجتمعات المحلية لا تتأتى بالفهلوة والاستعراض وإنما تتحقق بالمعرفة والقدرة والاستعداد والنزاهة والحرص على مصالح الناس ومتابعة شؤونهم.
عمان كانت وما تزال أم الأردنيين جميعا، فهي كما وصفها علي عبيد الساعي “حرة ما دنست أثوابها” جميلة بجبالها وتاريخها وسكانها ومناخها وروحها، وهي ملجأ العرب وكل طالبي الأمن والسلام.
 نتمنى ان تحافظ عمان على صورتها وروحها وجدائلها ومجدها وكل الصور التي رسمها الشعراء، ونتمنى أن لا تتلاشى صورتها الجميلة من أجل أن نوفر حماية لأشخاص يعتقدون أن المشكلة ليست  في الإجراءات والاستعدادات التي اتخذت عن بعد بل في قلة فهمنا وتدبيرنا اللذين لا يرقيان إلى مستوى حكمتهم وعقلهم وتدبيرهم.

انتخابات 2020
21 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock