فكر وأديان

“أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها”

د. محمد المجالي

يا لروعة القرآن، يقف المؤمن أمامه مندهشا من كثرة كنوزه وهداياته، وهذا ما أراده الله تعالى في الحث على تدبره والتمسك به والاستنارة والاستهداء به، فالقرآن حياتنا الحقيقية، وسمّاه الله روحا ونورا وهدى وفرقانا وشفاء وذكرا ورحمة وبركة، وهي تنعكس تلقائيا على من يعيش مع القرآن، ويشرب من معينه، ويسير في ظله.
هذه الآية من سورة الأنعام، وهي من اسمها تدل على بعض ما أنعم الله به على عباده، وحق الإنعام الشكر للمنعم، لا كفران النعمة والمنعِم سبحانه، فكانت السورة في عمومها تثبت الأدلة الكونية والنفسية على وجود الله وقدرته وبديع صنعه، فمن كان كذلك فهو حقيق بالعبادة والتوجه إليه وحده، سبحانه.
إنه شأن القسْم المكي من القرآن كله، يبين الله كل ما يهدي العبد إلى توحيد الله تعالى، في آيات الله المبثوثة، ومن خلال القصص الذي يحكي حوار الأنبياء مع أقوامهم، وهذان المنهجان في العموم يشكلان زادا ثريا للداعية، ويؤهلانه ليكون متميزا، فلا غنى لأي واحد منا من أن يوضح حقائق الوجود الدال على الموجد سبحانه، وأن يستصحب التاريخ البشري، فلولا أهميته لما كان ثلث القرآن قصصا، وفي هذه السورة (الأنعام) كان الاقتصار على إثبات الإيمان من خلال الآيات المبثوثة، وهناك قصة واحدة في جزئية منها، متعلقة بإبراهيم عليه السلام، وهي في صلب مسألة إثبات توحيد الله تعالى.
وعودة إلى العنوان، فهو مثل ضربه الله لمن يعيش في النور، ومن هو غارق في الظلمات، هل يستويان؟! فالحياة الحقيقية هي التي تكون في هذا النور وطاعة الله، يقول تعالى: “أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ كذلك زُيِّن للكافرين ما كانوا يعملون”، والنور هنا هو القرآن، ويشير النص إلى ما قد زُيِّن للكافرين من أعمال تصدهم عن النور وتحجبهم عنه، جهلا أو تقليدا أعمى، أو كفرا متعمدا ابتداء.
يقودنا إلى هذا ما ذكره الله قبل هذه الآية مباشرة، حيث يقول تعالى: “وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم إذا لمشركون”، فهي تتحدث عن وسوسة الشياطين، ولا ننسى أن أعداء الإنسان ثلاثة، نفسه التي بين جنبيه، والشيطان، وأهل السوء، وقد ذكرت الآية الشياطين، وذكرت آية بعدها مباشرة أهل السوء، فقال تعالى: “وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”، ولعل من دلالات كلمة المكر ما يمكن أن يعم الإفساد والإضلال والصد عن الله وإشاعة الفاحشة، وهذا ما تقوم عليه مؤسسات كثيرة وأفراد أكثر، والحقيقة أنهم يضرون أنفسهم دنيا وآخرة، فهذا النور أعظم من أن يحجبه مخلوقون، يحاولون إطفاءه، ولكن هيهات.
وبعد هذه الآيات بآيتين يقول تعالى: “فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصّعّد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهذا صراط ربك مستقيما، قد فصلنا الآيات لقوم يذّكرون، لهم دار السلام عند ربهم، وهو وليهم بما كانوا يعملون”، وأقتبس من هذه الآيات مع التي قبلها معالم للحياة التي ينجو بها الإنسان، بل يكون بها مطمئنا سعيدا منشرح الصدر في الدنيا، وهذا الجزاء العاجل، وينعم بدار السلام، جنات النعيم في الآخرة.
لا بد أولا من النور الذي يضيء له طريقه ويسير مطمئنا فيه، ولا بد ثانيا وثالثا من التحصين من الشيطان ومن المفسدين الماكرين، يحصن نفسه بمعية الله واتباع النور الذي أنزله، والعبادة التي من خلالها يشرف العبد بربه، فيتولاه ويحبه ويرضى عنه، ولا بد رابعا من الاستقامة على منهج الله، فنحن ندعوه سبحانه كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل بأن يهدينا الصراط المستقيم، فيبين الله تعالى هنا في هذه الآيات، ويربطه بعامل خامس هو التذكر والاعتبار، فلا بد من التعلم من تجارب الحياة، وأن نستهدي بسنن الله تعالى في هذا الكون وهذه الحياة، ولا بد أيضا من عامل سادس هو الولاء الخالص لله ورسوله والمؤمنين، فالحياة في ظل طاعة الله واللجوء إليه والاستنصار به والركون إليه وحده هو من صميم التوحيد، والولاء للرسول صلى الله عليه وسلم هو من ولاء الله، لأنه رسوله، فيعيش المؤمن في هذا المنهج الذي بلغنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم، أما المؤمنون فالولاء لهم أن نبقى معهم، في دائرتهم، متحابين متعاونين متآخين، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والله وليهم جميعا.
ولا بد من عامل سابع يجمع هذه ويدل عليها، ألا وهو العلم الذي من خلاله نستبصر وندرك أنفسنا وغايات خلقنا ومآلاتنا بناء على خط سيرنا، فالعلم وسيلة هذه التي ذكرناها كلها، كي نعيش مطمئنين سعداء منشرحي الصدر، ولعمر الله هي السعادة الحقيقية في الدنيا في معية الله، وفي الآخرة في دار رضوانه.د. محمد المجالييا لروعة القرآن، يقف المؤمن أمامه مندهشا من كثرة كنوزه وهداياته، وهذا ما أراده الله تعالى في الحث على تدبره والتمسك به والاستنارة والاستهداء به، فالقرآن حياتنا الحقيقية، وسمّاه الله روحا ونورا وهدى وفرقانا وشفاء وذكرا ورحمة وبركة، وهي تنعكس تلقائيا على من يعيش مع القرآن، ويشرب من معينه، ويسير في ظله.
هذه الآية من سورة الأنعام، وهي من اسمها تدل على بعض ما أنعم الله به على عباده، وحق الإنعام الشكر للمنعم، لا كفران النعمة والمنعِم سبحانه، فكانت السورة في عمومها تثبت الأدلة الكونية والنفسية على وجود الله وقدرته وبديع صنعه، فمن كان كذلك فهو حقيق بالعبادة والتوجه إليه وحده، سبحانه.
إنه شأن القسْم المكي من القرآن كله، يبين الله كل ما يهدي العبد إلى توحيد الله تعالى، في آيات الله المبثوثة، ومن خلال القصص الذي يحكي حوار الأنبياء مع أقوامهم، وهذان المنهجان في العموم يشكلان زادا ثريا للداعية، ويؤهلانه ليكون متميزا، فلا غنى لأي واحد منا من أن يوضح حقائق الوجود الدال على الموجد سبحانه، وأن يستصحب التاريخ البشري، فلولا أهميته لما كان ثلث القرآن قصصا، وفي هذه السورة (الأنعام) كان الاقتصار على إثبات الإيمان من خلال الآيات المبثوثة، وهناك قصة واحدة في جزئية منها، متعلقة بإبراهيم عليه السلام، وهي في صلب مسألة إثبات توحيد الله تعالى.
وعودة إلى العنوان، فهو مثل ضربه الله لمن يعيش في النور، ومن هو غارق في الظلمات، هل يستويان؟! فالحياة الحقيقية هي التي تكون في هذا النور وطاعة الله، يقول تعالى: “أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ كذلك زُيِّن للكافرين ما كانوا يعملون”، والنور هنا هو القرآن، ويشير النص إلى ما قد زُيِّن للكافرين من أعمال تصدهم عن النور وتحجبهم عنه، جهلا أو تقليدا أعمى، أو كفرا متعمدا ابتداء.
يقودنا إلى هذا ما ذكره الله قبل هذه الآية مباشرة، حيث يقول تعالى: “وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم إذا لمشركون”، فهي تتحدث عن وسوسة الشياطين، ولا ننسى أن أعداء الإنسان ثلاثة، نفسه التي بين جنبيه، والشيطان، وأهل السوء، وقد ذكرت الآية الشياطين، وذكرت آية بعدها مباشرة أهل السوء، فقال تعالى: “وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”، ولعل من دلالات كلمة المكر ما يمكن أن يعم الإفساد والإضلال والصد عن الله وإشاعة الفاحشة، وهذا ما تقوم عليه مؤسسات كثيرة وأفراد أكثر، والحقيقة أنهم يضرون أنفسهم دنيا وآخرة، فهذا النور أعظم من أن يحجبه مخلوقون، يحاولون إطفاءه، ولكن هيهات.
وبعد هذه الآيات بآيتين يقول تعالى: “فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصّعّد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهذا صراط ربك مستقيما، قد فصلنا الآيات لقوم يذّكرون، لهم دار السلام عند ربهم، وهو وليهم بما كانوا يعملون”، وأقتبس من هذه الآيات مع التي قبلها معالم للحياة التي ينجو بها الإنسان، بل يكون بها مطمئنا سعيدا منشرح الصدر في الدنيا، وهذا الجزاء العاجل، وينعم بدار السلام، جنات النعيم في الآخرة.
لا بد أولا من النور الذي يضيء له طريقه ويسير مطمئنا فيه، ولا بد ثانيا وثالثا من التحصين من الشيطان ومن المفسدين الماكرين، يحصن نفسه بمعية الله واتباع النور الذي أنزله، والعبادة التي من خلالها يشرف العبد بربه، فيتولاه ويحبه ويرضى عنه، ولا بد رابعا من الاستقامة على منهج الله، فنحن ندعوه سبحانه كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل بأن يهدينا الصراط المستقيم، فيبين الله تعالى هنا في هذه الآيات، ويربطه بعامل خامس هو التذكر والاعتبار، فلا بد من التعلم من تجارب الحياة، وأن نستهدي بسنن الله تعالى في هذا الكون وهذه الحياة، ولا بد أيضا من عامل سادس هو الولاء الخالص لله ورسوله والمؤمنين، فالحياة في ظل طاعة الله واللجوء إليه والاستنصار به والركون إليه وحده هو من صميم التوحيد، والولاء للرسول صلى الله عليه وسلم هو من ولاء الله، لأنه رسوله، فيعيش المؤمن في هذا المنهج الذي بلغنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم، أما المؤمنون فالولاء لهم أن نبقى معهم، في دائرتهم، متحابين متعاونين متآخين، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والله وليهم جميعا.
ولا بد من عامل سابع يجمع هذه ويدل عليها، ألا وهو العلم الذي من خلاله نستبصر وندرك أنفسنا وغايات خلقنا ومآلاتنا بناء على خط سيرنا، فالعلم وسيلة هذه التي ذكرناها كلها، كي نعيش مطمئنين سعداء منشرحي الصدر، ولعمر الله هي السعادة الحقيقية في الدنيا في معية الله، وفي الآخرة في دار رضوانه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock