أفكار ومواقف

أوهام في الحكم والمعارضة

“لقد تركت نفسك تنخدع”؛ يقول النبيل الاسكتلندي روبرت بروس لابنه، في فيلم “قلب شجاع”.
لا يمكن تقييم الأداء السياسي في بلادنا من غير فهم العملية السياسية الجارية بالفعل. إذ يبدو أن هناك تصورات مختلفة بشأنها، بل ومتناقضة، على الرغم من وضوح وبداهة المعطيات والمدخلات المنشئة لهذه التصورات. والحال أنها عملية استثنائية، لا ينطبق على تقييمها الفهم التقليدي السائد للحكم والمعارضة. فالحكومة وإن كانت تستند إلى ثقة الأغلبية النيابية، لا تمثل حزبا أو تيارا سياسيا أو كتلة نيابية. والمعارضة، أيضا، ليست حزبا سياسيا أو أكثر، وليست كتلة أو أكثر من النواب، بالمعنى الذي يشكل ائتلافات حكومية أو معارضة. هناك مجموعة من النواب ينتمون إلى المعارضة الأبدية؛ وهناك معارضة “المفاجأة أو الصدفة”. وهم يمثلون مجموعة غير مرجحة في اتجاهات المجلس، وفي تشكيل الحكومة وسياساتها. وهذه هي الحال التاريخية والسائدة (تقريبا). ولا تنقض هذه الفكرة الاستثناءات التي حدثت في التاريخ السياسي الأردني.
لقد أنشأت هذه العملية واقعا سياسيا واجتماعيا استثنائيا؛ فهناك مجموعات الحكومة، من الشخصيات والطبقات، وحولها الموارد العامة والأسواق والأعمال الناشئة عنها والمرتبطة بها. ونشأت حول المعارضة أيضا هوامش اجتماعية واقتصادية بقناع سياسي. والحال أن السياسة صارت، عمليا، هي تنظيم العلاقة والصراع بين المتن (الأوليغاركيا المهيمنة على الفرص والموارد والنفوذ)، وبين الهامش الاجتماعي التائه بين الاحتجاج الذي تقدمه جماعات أيديولوجية أو شخصيات سياسية وكاريزمية، والحاجة إلى المكاسب والحماية والتأثير.
ظلت العملية السياسية مثل مباراة مسرحية لا تنتهي أبدا ولا تتغير؛ مشهد حداثوي مطور للثلاثية التاريخية: القلعة والهيكل والرّبَض. تحولت القلعة إلى نخبة سياسية اقتصادية، والهيكل إلى جماعات أيديولوجية دينية وقومية ويسارية، والربض إلى مدن وبلدات ومجاميع سكانية وطبقية؛ هامش واسع في أهله، وشحيح في فرصه وموارده. تنزف موارده، وقياداته متسللة أو مهاجرة إلى القلعة. وتتسلل إليه من القلعة قيادات غاضبة و/ أو فاشلة، وربما تتظاهر بالغضب لكنها في الواقع تنتمي إلى القلعة وتعمل معها.
القصة طويلة ومعقدة، فلا تكفي المساحة لعرضها مرة واحدة. لكن في ظل هذه المباراة العدمية، صار الاحتجاج سلوكا دائما لا علاقة له بمكاسب أو مخاسر؛ فـ”نحن” خاسرون دائما. وصار حجب الثقة، على سبيل المثال، بطولة لا معنى لها، لكن لا يساوم عليها. لم تعد السياسة هي المعرفة والتمييز بين الضرر والنفع، والضرر الأكبر والضرر الأصغر، والفائدة الأعظم والفائدة الأقل؛ لن يقبل المتن إلا تأييدا أو معارضة ولا خيار لك في التأييد أو المعارضة، هما قدرك مثل اسمك؛ لا يمكن أن تتخلى عنهما برغبتك أو اختيارك، لكن حسب مجريات المباراة. هل يعقل، مثلا، أن تتحول المباراة إلى فريق واحد يصوب أهدافه في الفراغ، ويتحول الهامش المسمى معارضة، إلى ثقافة ومجتمعات ومصالح وراحة ضمير زائفة؟ مباراة تحولت في أزليتها وأبديتها إلى خروج من المجتمع، واستمتاع أو استثمار بالتهميش.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock