أفكار ومواقف

أيديولوجيا “مكدلة” العالم

د.عاصم منصور

قبل أيام قليلة تناقلت وكالات الأنباء العالمية خبرا صادرا عن الشركة المالكة لسلسلة مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة يعلن إغلاق جميع فروعها والبالغ عددها (850)، في أنحاء روسيا بشكل مؤقت، بالرغم من أن تكلفة هذا الإغلاق حسب تصريح لشركة ماكدونالدز يكلفها (52) مليون دولار شهرياً، وذلك رداً على الحرب الروسية في أوكرانيا، مع ضمان استمرارية صرف رواتب (62) ألف موظف من العاملين فيها وكأن في طيات هذا القرار رسالة مبطنة للشعب الروسي:» بأن العقاب موجه للنظام وليس للأفراد».

هذا الخبر الطريف أعادني ثلاثين عاماً إلى الوراء، عندما كنت طالباً في تلك البلاد التي كانت تسمى «الاتحاد السوفييتي» آنذاك، وذكرني بمشهدٍ حُفرَ في الذاكرة بحيث يصعب عليّ نسيانه، فما يزال حاضراً في خيالي احتشاد الآلاف من سكان موسكو صباح يوم قارس من أيام كانون الثاني في ميدان بوشكين الشهير في بداية التسعينيات ليشهدوا افتتاح أول فرع لماكدونالدز في قلب العاصمة السوفيتية موسكو. وكان هذا بمثابة هبوب رياح التغيير التي عصفت بالاتحاد السوفياتي.

كنا ما نزال شباباً يافعين في ذلك الوقت ودفعنا الحماس لمحاولة استكشاف هذاالعالم العجيب، ولم يكن معظمنا قد سمع من قبل بمصطلح «بيرغر»، وربما كنّا نشعر بالجوع، لكن الطابور الطويل أمام المطعم ردّنا على أعقابنا خائبين، لنحاول الكرّة بعد عدة أيام، وفي هذه المرة اتبعنا تكتيكاً جديداً يقضي «بشراء الدوْر» من بعض الأشخاص الذين كانوا يمتهنون هذا العمل من أجل كسب بعض «الروبلات».

لقد أيقنت حينها أن تغييراً جذرياً ينتظر هذه البلاد، وهذا ما أكده تصريح قرأته في إحدى الصحف بعد ذلك بفترة لأحد السياسيين البريطانيين، والذي رأى في تهافت المواطنين السوفييت على هذا المطعم الذي يمثل أحد رموز الرأسمالية الأميركية وفي اصطفاف الناس أمامه في طوابير طويلة رغم البرد القارس، وقد تفوّقت على مثيلتها أمام ضريح لينين في الساحة الحمراء، مثابة إعلان مبكر لنهاية الحرب الباردة.

فهل كان هذا الحدث التاريخي يشي بشهية الشعب الروسي حقّاً لتذوق شطيرة الماكدونالدز أم في الحقيقة هي التوق إلى التحرر من العقيدة الفكرية الشيوعية، وإيذاناً بانتهاء الحرب الباردة والانفتاح على الآخر وسقوط الاتحاد السوفيتي لاحقاً.

يرى علماء الاجتماع، أن الغرب يستخدم مثل هذه العلامات التجارية الضخمة، ويوظفها لخدمة أهدافه السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتي تترجم نظرته المادية للعالم كرأس حربة وأداة لاستعمار جديد ناعم محمول على أكف الشهوة ومحاربة الحرمان، دون أن يطلق رصاصة واحدة على خصمه، أو أن يتقدم باتجاهه على عجلات المدرعات وأجنحة الطائرات.

وقد أسهم في بحث هذه الظاهرة عالم الاجتماع الأميركي «جورج ريتزر» في كتابه الذي يحمل نفس الإسم «مكدلة المجتمعات» أو»McDonaldization of Society» والذي صدر العام 1993، حيث رأى في هذه الظاهرة بُعدًا أعمق بكثير من مجرد وجبات سريعة يُقبل عليها الناس، أو صناعة تتبنى مبادئ الكفاءة، والكم على حساب النوع، والروتين على حساب الإبداع والسيطرة على العمال.

بل يعتقد بأنه خلال التوحيد القياسي الذي تتبناه هذه الصناعة، يصبح دور العامل الماهر هامشيا، وبالتالي يخسر العمال قدرتهم التفاوضية من أجل وضع مهني أفضل حيث لم تعد مسألة استبدالهم قضية مؤرقة!

وهذا ما ينطبق على المجتمعات التي غزتها الأمركة أو المكدلة؛ فقد خسرت خصوصيتها وأصالتها، وتبنّت نمط حياة مصطنع.

وهذه الظاهرة استغلت نزوع الإنسان نحو الحلول غير المعقدة والمريحة مقابل الحلول المركبة والإبداعية، وتفضيله الإشباع الآلي لشهواته على الخصوصية والتميز وهذا ما قتل الابداع فأصبحنا نرى كمّاً هائلاً من وجبات الأطعمة السريعة المتشابهة، والكتب المتماثلة، والأفلام المكررة في مضمونها، وطرحها والتي تفتقر الى الخصوصية والابداع الى ما رحم ربي.

المقال السابق للكاتب 

سياسة الإغلاق والحكمة بأثر رجعي

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock