أفكار ومواقف

أين اختفت “الأخت”؟

أتذكر أنني قلتُ في مقالةٍ سابقة، منذ سنوات، إن التلفزيون صار في المجتمع العربي هو “ربّ البيت”، وهو الذي يربي الأولاد، ويسلّي الزوجة ويسهر معها في غياب “رب العائلة”!
الآن، صار “الكمبيوتر” هو “رب البيت” الجديد. ويسلي الزوجة، والأولاد، وهو “رب عائلة” متعاون أكثر؛ يحملونه معهم أينما ذهبوا.
في العالم الجديد، المكتظ بوسائل الاتصال الحديثة، صارت للشخص عائلة أخرى مجازية، أو متخيلة، (يحوّلها أحياناً الى حقيقية ويتواصل معها) .. لكنها غير عائلته البيولوجية التي تجلسُ في البيت!
وثمة عبارة حمقاء تماماً تتكرر في هذا السياق؛ أقصد سياق العلاقات الإلكترونية، حين يقول أحدهم لآخر (أنا أخبرك بكل ذلك لأنك مثل أخي..) مع أنه في الحقيقة مقطوع العلاقة مع أخيه، ولم يخبره شيئاً من (كل ذلك)!
أو أن يقول أحدهم لامرأة (لا تفهميني خطأ. أرجوكِ .. فأنا محتاج لك لتسمعيني مثل أختي)، مع أن له خمس شقيقات في البيت لا يسمعن منه سوى (هاتي الشاي) .. أو (سخّني الشاي يا (..)!
العائلة الحقيقية القديمة بدأت تنقرضُ من بيوتنا على نحوٍ خطيرٍ ومريبٍ وصامت، حتى إن “اللاب توب” صار بمثابة الأخ الأكبر في البيت، لكنه أخٌ بلا قلب وبلا مودّة ولا ترفّ عينه إن تعثرت خطى الشقيق الصغير.
وهكذا تراجعت العلاقة الإنسانية في البيت، وبين أفراده، إلى أسوأ حالاتها، وحتى في الحالات النادرة التي تلتقي فيها العائلة في جلسةٍ واحدة، يظلّ ذلك الذي لم يستطع التملص من الجلسة ممسكاً بهاتفه المحمول يعبث به حتى وهو يأكل أو يهزّ رأسه مستمعاً، يهرب من خلاله من “البيت” الذي صار فكرة منفرة، الى العائلة الجديدة المقترحة!
لماذا نفعل ذلك؟! الإجابة سهلة جداً ويسيرة.
وهي أن العائلة الجديدة تقدم كل قيمها النظرية بشكل غير ملزم، ولا تتعامل مع “الفرد” بمنطق الوصاية والأبوّة، وتترك له مساحة من المرونة دون أن تتلصص عليه، او تشهر في وجهه سيف العيب وسيف الحرام وسيف اللازم وغير اللازم.
ربما يلزمنا ان نعيد النظر بأدوات “العائلة”، وأنسنتها، أو على الأقل إعادتها الى عصرها الذهبي؛ حين كانت “الأخت” صديقة حميمة وقريبة تعين شقيقها بحمل سرّه، وكان كتف الأم ملتقى الشقيقين، وكان ثمة فرصة حقيقية لتبادل الكلام، والمناكفات، والضحك، والساندويشات، والهموم، والمكائد، والنميمة، والنقود .. كان ثمة ما يمهد لصناعة تشابه، لاحقاً ، بين الأخوة!
الآن ثمة تشابه أكبر بين الفرد وشقيقه الإلكتروني. وليس هذا سيئاً بالمطلق، ولكنه سيئ بقدر ما يبتعد الفرد عن عائلته ليغوص في بطن الكمبيوتر.
وسيئ حين يصحو الفتى يتفقد شقيقه بجواره فيفتقده، ويروح الطفل مذعوراً الى أمّه:
“ماما .. الكمبيوتر أكل إخوتي!!”.

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اين ذهبت الاخت ؟؟؟؟؟
    عين الواقع ما تكتبه؛ لقد اخطأوا عندما منحوا هذه الاجهزة وانسحبوا من حياة ابناءهم تلقائيا< فلم نعد نجد اما نشكو اليها ولاأبا يصادقنا ولم تعد الاخت مستودع اسرارنا لانها حبيسة اسرارها ولا اخ يحنو علينا ففاقد الشيء كيف يعطيه.
    استاذي الفاضل:مايحزنني حقا هو الممارسات الخاطئة والمدمرة احيانا لبعض الشباب ذكورا واناثا في ضل الغياب الكلي والغير مبرر للوالدين والاسرة بأكملها التي ماعادت اسرة بحق … هل فهمت هذه الاجهزة الصماء عقول شبابكم اكثر منكم فاستحقت ان يمنحوها الانسانية بالرغم من انها جماد هل تستحقون يامن انجبتمونا ان تسحب منكم الانسانية؟؟؟؟؟ ايها الأسر الكريمة ان تدارك الخطأ خير من التمادي فبه فالخوف كل الخوف من العواقب !!!!!!! ايها الاباء والامهات عودوا الينا فما زلنا بحاجة اليكم…….

  2. حرب ابليس الذي لا ينتهب
    أجدت الوصف يا أخي ابراهيم . فقد فقدنا روح الاسرة الواحدة وبريقها ولمعانها وسرنا تائهين نتخبط وحدنا في تجارب ابليس بدون ان يكون لنا مرشد او وصي ..ليست الحرية ان افعل ما اشاء في هذه الحياة .الحرية هي ان اتحرر من رجس الشيطان الذي اصبح رفيقي وحبيبي وملبي لاطماعي .وأعود ثانية الى حضيرة الأسرة التي تفرعت منها ، واصبحت احد افرادها شئت ام ابيت ..الحرية هو عندما تتمكن من التميز بين الصحيح والخطأ ..لفد علمنا انا والسيدة زوجتي ابنتنا في الولايات المتحدة أن الحرية مسئولية كبيرة .وقلنا لها انه بلحظة سعادة وسرور ان اخطأت بها ستغير مجرى حياتها كلها ، وستعيشها في كل لحظات حياتها، فهل بامكانك ان تعيشين عمرك بهذه الغلطة التي بدلت حياتك الى شقاء مستمر .. مهما استفحل الأمر لا يزال المفتاح بايدينا كأباء وأمهات بأن نضم اولادنا برفق ودبلوماسية الى حضيرة الاسرة قبل فوات الاوان.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock