أفكار ومواقف

أين البديل الثالث؟

في بداية الربيع العربي، وبعد النشوة الأولى للنهوض الشعبي العربي بعد القمع الطويل، شرع بعض المعلقين الأجانب مباشرة في رصد الأذرع الأخطبوطية الغادرة التي نبتت من كل مكان لتلتف على الثورات وتخنقها. وأتصوّر أن شيئاً من الحذر –إن لَم يكن التشاؤم- قد ساور المتابعين لتلك المُداخلات ومنطقها. ومثلُ حالِ الذين كان لهُم رأي مُخالف إبّان الغزو الأميركي الأول للعراق، ولم يستطيعوا التحذير من المصيدة التي تعدها أميركا للمنطقة خشية التصادم مع العاطفة الشعبية المتحمّسة، اختار المتخوفون من مسارات الربيع العربي أن لا يكونوا غربانا تبشر بالسوء، وحاولوا التركيز على الاستنهاض وسقاية الأمل، على طريقة النصيحة الماركسية.
الآن، تتحدث التقارير عن الاختيار بين الأمرّين في مصر؛ وعن معارك وتصفية حسابات في ليبيا بعد الثورة، واشتباكات في اليمن. ويومياً، تتصاعد حصيلة القتلى في سورية. وفي الأردن، تستمر الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح، وتردّ الحكومات المتعاقبة بتقديم شيء بالقطّارة، كمَن يمد يده بصدقة قليلة ويحس بأنه ينتزعها من قلبه. ويحافظ الوعي الشعبي العالي وحساسية التوازنات فقط على عدم ذهاب الأمور إلى الصدام الكلي. وهكذا، يصعب وصف وجهة “الربيع” العربي، بحصيلة الانتخابات الجديدة أو بطبيعة القوى التي ما تزال تهيمن في المجتمعات، بأنها تقدميّة. ويشعر “شباب الفيسبوك” الذين صُوّروا باعتبارهم روح الأمّة ومستقبلها، بالإحباط، وهم يرون غيرهم يركبون الحصان الذي أطلقوه هم، ويتركونهم في الخلف.
لدى محاولة التفسير، يستذكر المرء التحولات الثورية المهمة في التاريخ الحديث نسبياً، مثل الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية، فيجد أنّ الانعطافات التي أحدثتها هذه الحركات جاءت لاحقة لتمهيد فكري طويل وعميق. وقد قرأنا دائماً عن المفكرين الفرنسيين الذين غيّروا العقل الأوروبي ونظراته، مثل مونتسيكيو، وجان جاك روسو، وفولتير، وهوغو وباسكال ورينان. وكانت حصيلة عمل هؤلاء هي تحويل مفهوم الثورة من مجرد إسقاط طاغية مفرد، إلى إسقاط منظومة عقلية ونسق كاملَين. وفي الثورة الشيوعية -بغض النظر عن مآلاتها- كانت مادية ماركس التاريخية، غير المنقطعة عن مقدماتها في فكر هيغل وفيورباخ، وتوابعها في تأملات لينين وتروتسكي، هي التي أعادت قسمة العالم كله وحركته وتكويناته.
إذن، ربما تكون المشكلة في الثورات العربية الأخيرة، هي ما لخّصه الكثيرون بكلمة مفردة ذكية: العفوية. وتعني “العفوية” غياب ذلك المرتكز الفكريّ التغييري المنظم الذي يطرح نفسه كبديل حاضر ومألوف في الذهن الاجتماعي، بحيث يستطيع الاشتراك والمنافسة بفعالية في تحديد الوجهات. وبسبب غياب هذا البديل، سهُل أمر استغلال المنظومات والبنى القديمة هذه “العفوية،” بحيث أعادت إنتاج نفسها كبدائل. وقد واجه الناس المرتبكون، بعد الثورات وأثنائها، معضلة الاختيار بين بديلين مألوفَين ومتجذرين لا غير، يشتركان في التأويل السكوني للسلطة، وبالإصرار على الثبات والمسلمات، ورفض النقد، باعتبار ذلك شروطاً لاستقرار المجتمع والروح. وقد عبّرت الانتخابات المصرية الرئاسية الأخيرة عن هذين البديلين أوضح ما يكون، وما تزال تقترحهما نفسهما كل مناطق الثورات، ومنها الأردن.
كان الغائب الدائم هو “عقل التغيير الاجتماعي” المتسلح بأساس فكري متساوق، والمعجب أساساً بفكرة التجديد والانفتاح. ولا شكّ بأنّ هذا البديل الثالث المفقود لا يحدُث صدفة. وتقول أدبيات الثورة الفرنسية مثلاً: “شهدت الفترة من القرن 15 وحتى17 قيام حركة فكرية نشرت أفكاراً جديدة وانتقدت النظام القديم، كان من أهم زعمائها مونتسكيو الذي طالب بفصل السلطة، وفولتير الذي انتقد التفاوت الطبقي، وجان جاك روسو الذي ركز على المساواة”.
ويعني ذلك أن قرنَين من التمهيد الفكري لزما لإحداث طفرة في حركة المجتمع الأوروبي، فالعالمي. وخلالهما تشكل ذلك العَقل الاجتماعي الثوري الذي استطاع تخليق نفسه في شروط حكمتها بصرامة قوى عملت ضدّ هذا العقل. وأتصور أن هذا العقل هو ما نحن في حاجة إلى تكوينه، بجهود المثقفين والمفكرين الواعين، ليحل محل “العقل العفوي” الذي لن يصمد أمام مكر السلطات العجوز. وهكذا، يجب قراءة المرحلة الحالية كمقدمة فقط وليست نتيجة، والتي يتم فيها استكشاف العيوب وتقييم الموقف. وإذا استطاعت حراكاتنا حجز مساحة يشتغل فيها المفكرون الإصلاحيون على ترويج بدائلهم بحرية، فإننا ربما نصل إلى اجتراح البديل الثالث المفقود، والضروري.

[email protected]

تعليق واحد

  1. الثورة الـــــــــــفــــــــكريـــــــــــة
    اشكرك على المقال الذكي …
    بعيدا عن الحديث على الثورات ونتائجها وغيرها من الأمور لننظر الى الجهة الأخرى فثورات هي بحد ذاتها "نشاط فكري "انا بتكلم تحديدا عن التجربة المصرية فأثناء الثورة ظهرت مؤلفات كثيرة منعت من النشر ..فعلا الثورة هي بتحفز النشاط الفكري لدى الأفراد حتى الأفراد الي مو هوايتهم الكتابة تراهم يكتبون حتى لو كلمات بسيطة على الفيسبوك او على كتبهم…واصبح هنالك تزايد لشراء المؤلفات التي تخص المواضيع السياسية
    فالثورة اذا انتجت انفتاح فكري أكثروتغيير فكري أكبر..
    سلمت يداك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock