أفكار ومواقف

أين “الخطة ب” الفلسطينية..؟!

لطالما مر النضال الفلسطيني بمنعطفات صعبة في مسيرته الطويل. لكن بعض المراقبين يعتقدون بأنَّ ما يُدبَّر للفلسطينيين الآن هو نهاية عمل منهجي بذله أعداؤهم لإيصالهم إلى هذا الموقف الضعيف. وقد شخّص الكاتب خالد الجندي، زميل معهد بروكينغز، هذه الحالة في مقال حديث، فكتب:
“مما يزيد الأمور تعقيداً أن هذا التحدي يأتي عند نقطة تاريخية منخفضة في الحركة الوطنية الفلسطينية. وقد أدى إعلان ترامب الخاص بالقدس وما تلاه من خفض للمساعدات إلى تقويض أكثر من أربعة عقود من استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية، التي استندت حصرياً إلى عملية سلام تقودها الولايات المتحدة…”.
وأضاف: “وعلى الرغم من الحديث عن العودة إلى الأمم المتحدة والمنتديات الدولية الأخرى، فإن محمود عباس… ليس لديه (خطة ب)”.
بهذه العبارات، يضع الجندي يده على الخطأ الاستراتيجي الكبير للقيادة الفسلطينية: الاستناد “حصرياً” إلى عملية سلام تقودها الولايات المتحدة؛ وعدم وجود خطة بديلة (ب). وفي هذا افتقار مريع لأساسيات الحصافة السياسية وإدارة الصراع على أقل تقدير. صحيح أن مجموعة من العوامل والقوى تكالبت لتضييق خيارات الفلسطينيين، لكنّ ذلك لا يعفي القيادة من الفشل في إيجاد مخارج ومسارات بديلة لتخفيف الضغط والإفلات من الحصارات.
عندما نتحدث عن مباراة كرة القدم فقط، فإننا ننتقد المدير الفني المعنيّ لأنه لا يملك خطة بديلة واحدة على الأقل لتغيير واقع المنافسة عندما يتطلب الأمر. وسوف نعنفه على عدم تجهيز بدلاء وتوظيف كامل إمكانياتهم بأفضل الطرق. وسوف نلومه على عدم تغيير “الرسم التكتيكي” وإعادة توزيع الأدوار وإدارة الميدان حسب ما يقتضيه الموقف، مع توقُّع معقول لاحتمالات انقلاب المعطيات.
هذا في كرة القدم. أما في صراع وجودي جمعي مثل حركة تحرُّر وطني، وأمام احتلال شرس وقوى عالمية عدوانية، فإن غياب البدائل سيكون كارثياً، لا أقل. وفي الحالة الفلسطينية، توالت التحذيرات على مدى عقود، منذ “أوسلو”، من أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون وسيطاً عادلاً وموثوقاً لحل الصراع بطريقة تلبي أدنى طموحات الفلسطينيين. ثم اتضح، يوماً بعد يوم، أن الترتيبات التي شملت إنشاء “السلطة الفلسطينية” وعملها بالكيفيات المعروفة خدمت فقط ترسيخ الاحتلال وصنع “الحقائق على الأرض”. وكان ينبغي التفكير بشيء بمجرد ملاحظة غياب أي جدول زمني معقول لحل قضايا الوضع النهائي والتأسيس لدولة فلسطينية ذات سيادة.
وصف المفكر الراحل إدوارد سعيد ما حدث منذ البداية، فقال أن “منظمة التحرير الفلسطينية حولت نفسها من حركة تحرر وطني إلى ما يشبه حكومة بلدية صغيرة، مع بقاء ذات الحفنة من الأشخاص في القيادة”. وكانت النتيجة كما وصفها غيث العمري، زميل معهد واشنطن: “بعد مرور خمسة وعشرين عاما على اتفاقيات أوسلو، لم يتحقق الهدف الفلسطيني الأساسي من التوقيع على الاتفاقيات، وتحديدا إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. فخلال السنوات الفاصلة، أصبحت الحركة الوطنية الفلسطينية منقسمةً سياسياً وجغرافياً بين “السلطة الفلسطينية” التي تحكمها حركة “فتح” في الضفة الغربية من جهة، وحكومة خاضعة لسيطرة حركة “حماس” في غزة من جهة أخرى، وتواجه كل من الحكومتين أزمات شديدة متعلقة بشرعيتها”.
كان أحد الأخطاء الاستراتيجية التي ساعدت مثل هذه النتيجة هي التخلي نهائيا عن خيار العمل العسكري وأي أدوات مقاومة يمكن أن توقع الألم بالعدو وتجبره على إعادة التفكير بأي شيء. وكان حال القيادة الفلسطينية مثل الذي أحرق مراكبه ووضع نفسه في موضع “العدوُّ من أمامكم والبحرُ من ورائكم”، دون أن يعرف ماذا في الأمام. كان الفارق أن طارق ابن زياد، امتلك العزيمة والخطة والأدوات لإمكانية تحقيق الانتصار وشقّ الطريق، بالقتال، إلى بر الأمان.
وضعت القيادة الفلسطينية معظم الفلسطينيين على “بنك الاحتياط” ولم تعرف كيف توظف إمكانياتهم. وأصبحت فئوية استعدت معظم الآخرين وسخفت رؤاهم وعطلت أدوارهم. وفوق ذلك، اهترأت مكابحها وأصبحت مثل عربة متهورة على منحدر، ولم تستطع أن توقف نفسها قليلا على جانب الطريق للتفكير في تقليل الخسائر وتغيير الطريق. كما أخفقت في رص الصفوف الفلسطينية وجسر هوة الانقسام. ومع ما وصلنا إليه، ليس الجلوس العاجز بديلا عن التفكير في “خطة ب” –بل الكثير من الخطط- ولا متأخرا. فالوقت لا يتأخر أبدا والبدائل لن تنفد في نضال مصيري طويل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock